الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
جماليات إماراتية

عبيد سرور.. ذاكرة الطفولة تتحدث

18 يوليو 2026 20:47 مساء | آخر تحديث: 18 يوليو 21:42 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عبيد سرور
عبيد سرور
icon الخلاصة icon
عبيد سرور يوظف التراث بلمسة انطباعية وتجريدية؛ لوحة الأرجوحة تستحضر طفولة الإمارات وتوثّق المكان والأزياء بألوان ترابية وباردة
ليس كافياً مجرّد إنجاز لوحات وتكوينات فنية يكون موضوعها الرئيسي التراث والبيئة المحلية؛ إذ من المهم البراعة في النقل والرسم، بحيث لا يكون محاكاة فجّة للواقع، ولابد للفنان من تجربة روحية عميقة تبرز شغفه وحبه؛ بحيث تبرز مشاعره للناظر في فضاء العمل، ومشهديته المتكونة من عناصر البيئة، ومفردات تراث ينتمي إليه، ويريد أن يطوّر حوله رؤية.
الفنان الإماراتي المخضرم عبيد سرور، هو أحد الفنانين الذين ارتبطوا، بقوة، بالتراث والبيئة، وقدّم تكوينات ولوحات جمالية تحتشد بالأبعاد الفنية والرؤى الفكرية، وغاص بعمق في عناصر التراث الإماراتي والخليجي، وهذه لم تكن بالنسبة إليه مجرّد رموز لحياة مضت، بقدر انتمائها للحاضر والمستقبل؛ لكونها جزءاً من الهوية، ولأنها تتبدى جلية في سمات وقسمات إنسان الإمارات اليوم، وفي وعيه الجمعي، لذلك، عبّر سرور عن الموروث بأسلوبية مختلفة، تفكّك الأشياء، وتستجلي ما وراءها، ونقب في ذاكرة التراث بأدوات وأفكار معاصرة، فوجدت أعماله صدى كبيراً في المعارض، المحلية والعالمية، المختلفة.
من اللوحات التي تعكس شغف عبيد بكل مفردات التراث، واحدة تتناول نوعاً من الألعاب الشعبية القديمة وهي «الأرجوحة»، أو «المرجحان»، التي كانت تُصنع في الماضي من أدوات محلية بسيطة مثل الحبال، وعلى الرغم من أن اللعبة نفسها موجودة في كل التراث العالمي، إلا أن الفنان يتناولها من الوجهة المحلية؛ لينقل إلى المشاهد تفاصيل ذاكرة حية في أزمنة طفولة مضت، كانت فيها الحياة بسيطة، وتمضي على مهل، تماماً كفعل المرجحة في اللعبة.
الملاحظة الأبرز في اللوحة هي ابتعاد الفنان عن النقل المباشر، فهو يرسمها كما يتصورها هو، ورسخت في ذاكرته؛ فينأى عن الحرفية الجامدة والفوتوغرافية الصامتة، بقدر ما يسرّب في المشهد قدراً من المشاعر والحنين، بأسلوبية تتضمن لمسة انطباعية ساحرة، وقدراً من التجريد الذي يمنح المشهد بعداً تأملياً، بفرادة واضحة تزاوج بين الحنين التوثيقي والمغامرة التجريبية في سياق البحث عن الابتكار والتجديد في المواضيع التراثية، التي توثق الحياة والذاكرة الاجتماعية الشعبية.

* تفاصيل


تركز اللوحة على تلك اللعبة في زمن مضى، قبيل المتغيرات العصرية والحياتية الكبيرة في الدولة، فيستحضر من خلالها عبيد سرور براءة الطفولة عبر تصوير فتاتين تلعبان فوق الأرجوحة، وتبدو عليهما السعادة والانسجام، بصورة تعكس دفء العلاقات الاجتماعية والروابط الإنسانية التي سادت في ما مضى، وهو يشرك المشاهد في خصوصية تلك اللحظة، والمشاعر التي تنتاب المرء عندما يدهمه فعل التذكر، والالتفات نحو أيام الصبا والطفولة.
وتبدو إحدى الفتاتين في أعلى اللوحة وهي مغمضة العينين، كأنها تحلّق في عوالم بعيدة، وتُمسك بكلتا يديها بالحبال المصنوعة من سعف النخيل؛ فيما تبدو البهجة على الفتاة الأخرى في الأسفل، وهي تظهر بأعين مفتوحة موجهة نحو المشاهد.
قدّم عبيد سرور في هذه اللوحة اشتغالاً إبداعياً فريداً، خاصة في ما يتعلق بوضعية الفتاتين في الأرجوحة، فهو اتخذ ما يشبه المسار الدائري لجسد البنتين، تماشياً وانسجاماً مع حركة الارتفاع والانخفاض الخاصة بالأرجوحة، وتظهر كذلك اشتغالات بارعة على ملابس الفتاتين، فتظهر الانسيابية المفعمة بالبهجة والإيقاع الحركي الذي يكسر السكون، ليتبدى المشهد ضاجاً بالحيوية والحركة.
هذا الزخم الإبداعي الذي بذله الفنان ينعكس في تفاصيل صغيرة تحتاج بالفعل إلى تأمل وقراءة من الناظر؛ إذ تظهر في اللوحة دوائر وتشكيلات هندسية ملتفة في الزي الخاص بإحدى الفتاتين، وهي مستوحاة من الأنماط الزخرفية والأقمشة والأزياء الإماراتية التراثية، التي وظّفها الفنان في العديد من أعماله، خاصة تلك التي تتناول ألعاب الأطفال القديمة.
ويعمل عبيد سرور على إظهار ذاكرة المكان في اللوحة من خلال تلك الخلفية المعمارية التي تحمل الكثير من التفاصيل؛ حيث مشهد البيوت الطينية القديمة، وتبرز صورة الخلفية تلك بشكل يبدو باهتاً؛ بحيث تتركز عين المشاهد بشكل أساسي على الأرجوحة، والفتاتين في لحظة اللعب، وعلى الرغم من ذلك، فقد أولى الفنان اهتماماً بالتكوين البصري، خاصة في مشهد المنازل القديمة، كأنه يريد أن يظهر تلك الفترة الزمنية أثناء ممارسة الفتاتين تلك اللعبة، من خلال نوع وشكل المعمار الذي كان سائداً آنذاك، حيث قوام البيوت هو العريش، والطين، ومظلات القماش؛ من أجل توثيق جغرافية المكان في رأس الخيمة، قبيل أن تدهمها المتغيرات العمرانية الحديثة.

* ألوان


وعبّر عبيد سرور عن هذا المشهد المؤثر من خلال توظيف الألوان وتوزيعها بشكلٍ زاوَجَ فيه بين الدرجات اللونية الترابية الدافئة، خاصة في الخلفية التي ترمز للأرض والبيوت الشامخة القديمة، وبين درجات الألوان الباردة من الأزرق والأبيض النقي الناصع في ملابس الفتاتين؛ من أجل إظهار العنصر البشري، وجعله مركز العمل الفني البديع وبؤرته.
اللوحة
اللوحة

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة