تجلس واشنطن على قارعة التاريخ، تراقب خيوط الدخان المتصاعدة في الشرق الأوسط، حيث تسعى طهران بأسلوبها المعهود لاستدراج الإدارة الأمريكية إلى فخ «الحروب الأبدية» ومستنقع الاستنزاف، فعندما أُعلنت مذكرة التفاهم في يونيو/حزيران الماضي، بدت فرصة سانحة لكسر حلقة الصراع وتأسيس مسار جديد للهدوء، غير أن النظام الإيراني سرعان ما أفشل التهدئة بعودته للسلوك العدائي، مؤكداً أن استراتيجيته القائمة على صناعة الأزمات وإدامتها هي الثابت الوحيد لبقائه.
في القاموس السياسي لنظام طهران، لا يُمثل الاستقرار الإقليمي هدفاً يُنشد، بل تهديد وجودي يفكك سرديته الراديكالية ويُسقط مبررات وجود ميليشياته العابرة للحدود، فالهيمنة بالنسبة لهذا النظام ليست مجرد خيار سياسي، بل هي أداة لتصدير أزماته الداخلية، والتغطية على السخط الشعبي المتصاعد جراء التدهور الاقتصادي والتنموي.
وبناءً على ذلك، فإن أي مساومة تُقدم تحت غطاء «خفض التصعيد» لن تكون مجرد خطأ تكتيكي، بل خطيئة استراتيجية تُشرعن التخريب وتمنح طهران مساحة زمنية لإعادة تمويل حلفائها وتحديث ترساناتها، مما يستنزف أمن المنطقة وقدراتها.
ولكي ينجح ترامب في الإفلات من هذا الفخ التاريخي وتجنب الغرق في حرب استنزافية، لا بد لأي استراتيجية أمريكية قادمة أن تتجاوز سياسة «المسكنات المؤقتة» والحلول الترقيعية، وتنتقل بدلاً من ذلك نحو فرض معادلة أمنية وهيكلية ملزمة تحترم سيادة دول المنطقة وتضمن أمنها الذاتي.
إن أول شروط هذه المعادلة هو إنهاء أوهام التفاوض أحادي الجانب أو الاتفاقات المغلقة، فأي تسوية تتجاهل دول الخليج والشرق الأوسط كطرف أصيل وشريك مباشر في صياغة الأمن الإقليمي، لن تكون سوى «استراحة محارب» تُعطي طهران الفرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترميم صفوفها قبل إطلاق جولة صراع جديدة أكثر شراسة.
علاوة على ذلك، فإن الشق المالي لمواجهة هذا السلوك لا يقل أهمية عن الترتيبات السياسية، إذ يتطلب الردع الحقيقي قطع الشرايين الاقتصادية غير التقليدية للنظام الإيراني، مثل شبكات التهريب الرقمية، والعملات المشفرة، وأسطول الناقلات الشبح الذي يلتف على عقوبات الطاقة، فالخروج النهائي من دائرة «الحروب الممتدة» لن يتحقق عبر الرهان على أوهام حسن النوايا، بل عبر خريطة طريق شجاعة تبدأ بتفكيك شبكات الميليشيات الإقليمية، وتجفيف منابع تمويلها المالي والعسكري نهائياً، وإنهاء أيديولوجيا «السلاح خارج إطار الدولة» التي دمرت مفهوم المؤسسية الوطنية.
ويفرض التحول التكنولوجي الحالي تطوير أساليب الردع لتشمل حظراً شاملاً واستباقياً على نقل تقنيات المسيرات، والأنظمة السيبرانية الهجومية، وتكنولوجيا الصواريخ الدقيقة التي تُهدد أمن الطاقة العالمي والملاحة البحرية في الخليج العربي وباب المندب، ويتوازى ذلك مع فرض آليات إنفاذ ورصد صارمة تُحيّد البرنامج النووي بشكل دائم ومتحقق منه دولياً، وصولاً إلى بناء منظومة دفاعية وأمنية إقليمية صلبة ومترابطة تعتمد على الشراكات التقنية والاستخباراتية لردع أي تهديد استباقياً.
إن السلام المستدام في هذه المنطقة لن يولد من رحم الرهانات الخاطئة أو الاتفاقات الجزئية التي أثبتت التجربة فشلها، بل عبر إرساء معادلة أمنية واقتصادية متماسكة تقطع أوهام الهيمنة الإيرانية، وتضمن لدول المنطقة حماية أمنها القومي وبناء مستقبلها بشروطها الوطنية المستقلة.
