حين يتأمل البشر ماضيهم البعيد، أو ماضيهم القريب، أو واقعهم المعيش، فإنهم يقيمون مع هذا كله علاقة ما: علاقة ذم أو مدح، علاقة تبنٍّ أو إنكار، علاقة حب أو كره. غير أن هذه العلاقات جميعها لا تفضي، في ذاتها، إلا إلى مواقف، ولا تفضي بالضرورة إلى فهم وتفسير وتجاوز.
والنقد، في حقيقته، عملية فهم وتفسير وتجاوز. وهذه مهمة من أعقد المهام وأصعبها من جهة، وهي، من جهة ثانية، مهمة تقوم بها نخبة توافرت لديها العدة المعرفية والمنهجية التي تسمح لها بأن تنتقل من الموقف من الشيء إلى فهم الشيء.
ولهذا فإن النقد يتطلب، قبل كل شيء، تجاوز القيل النقدي اليومي القائم على المناكفة والذم، والذي يحلو لبعض الأقلام أن تمارسه، ويبدو أن ليس باستطاعتها ممارسة سواه.
فإذا انتقلنا من الموقف إلى الفهم، ومن الذم والمدح إلى النقد، وتأملنا الخطابات الأيديولوجية العربية التي لم ينجُ منها مثقف عربي في مرحلة من مراحل حياته، والتي ما زال نمط من المثقفين العرب غارقاً فيها، وجدنا أنفسنا أمام ظاهرة تستحق التأمل في ماهيتها، لا في شعاراتها فقط. وفي نظرة كلية إلى الأيديولوجيات العربية الكبرى، سنجد أنها، مع كل ما بينها من اختلاف، تنطوي على روح دينية واحدة.
فعفلق وبكداش وقطب وسعادة أربعة رموز دالة على أيديولوجيات وجدت طريقها إلى الناس، وإلى عالم المثقفين بخاصة، وما زالت حاضرة على نحو ما.
فمن أين تأتت هذه الروح الدينية التي وسمت هذه الأيديولوجيات؟
الجواب، في نظري، أن جميع هذه الأيديولوجيات تنطوي على الاعتقاد بامتلاك الحقيقة، وحين تتحول الحقيقة التي يعتقدها أصحاب الأيديولوجيا إلى حقيقة مطلقة، فإنها تكتسب معنى المقدس. فالمقدس الكامن في الأيديولوجيا هو الذي يمنحها روحاً دينية، بصرف النظر عما إذا كانت الأيديولوجيا نفسها دينية أم قومية أم شيوعية.
إن فكرة «الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة» بالنسبة إلى المؤسس وأتباعه فكرة مقدسة، ونافية، من حيث اعتقادها حقيقتها المطلقة، لكل فكرة تناقضها. وبعث الأمة حقيقة لا شك فيها من وجهة نظر أصحابها. فيما كانت فكرة «سورية للسوريين والسوريون أمة تامة» الفكرة المقدسة لأنها الحقيقة المطلقة عند سعادة.
وقس على ذلك فكرة حتمية الانتقال إلى الشيوعية التي ورثها بكداش عن لينين وستالين. ولم تختلف من حيث بنية الوعي المطلق الفكرة الإسلامية - السياسية التي طورها سيد قطب وطبع حركته بها، فنحن، وفق فكر سيد قطب، نعيش عصر الجاهلية الذي يجب تجاوزه بالحاكمية لله بوصفها حقيقة مقدسة مطلقة. فالمهم هنا ليس مضمون الحقيقة وحده، بل شكل الوعي بالحقيقة.
ذلك أن القومي والشيوعي والإسلامي الأصولي قد يختلفون اختلافاً جذرياً في مضمون أفكارهم، لكنهم يلتقون حين يعتقد كل منهم أنه مالك الحقيقة النهائية التي لا يأتيها الشك، وأن ما عداها باطل يجب نفيه. وهنا تتحول الأيديولوجيا إلى دين دنيوي، وتتحول الفكرة إلى عقيدة، والعقيدة إلى مقدس، والمقدس إلى سلطة على العقل.
ولقد كان الصراع بين هذه الأحزاب دموياً في مراحل كثيرة. ولم يكن صراعاً على السلطة فقط، بل كان أيضاً صراع أفكار يعتقد أصحابها قداستها وحقيقتها المطلقة.
فمن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة لا يترك للآخر إلا أن يعترف بحقيقته أو أن يكون خارجها. ولهذا فإن الانتقال من الأيديولوجيا إلى السلطة ليس انتقالاً بريئاً، لأن الحزب الذي يعتقد أنه حامل الحقيقة المطلقة عن الأمة والتاريخ والمستقبل سرعان ما يرى في سلطته تجسيداً لهذه الحقيقة، وفي معارضيه أعداءً لها.
ولهذا فإن القضية لم تعد تتعلق بتحرير الأيديولوجيا من المقدس، بل بالتحرر من الأيديولوجيات التي تقوم على وهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
فعملية النقد يجب أن تطول جوهر هذه الأيديولوجيات من أجل تجاوزها، لا إصلاحها، استناداً إلى رؤية واقعية تاريخية لعالمنا العربي.
ففكرة الحاكمية لله التي طورها سيد قطب، وأصبحت حاضرة بأشكال متعددة في الأيديولوجيات الدينية السياسية، ليست، من وجهة نظري، فكرة قابلة للإصلاح، بل فكرة يجب تجاوزها وإقامة القطيعة معها، إذ لا يمكن أن تقوم الدولة على أساس حاكمية تنفي كون البشر مصدراً لتنظيم حياتهم السياسية.
وكذلك لا يمكن أن تقوم دولة حديثة على حكم الحزب الواحد مهما كانت أيديولوجيته، لأن الحزب الذي يعتقد أنه وحده حامل حقيقة المجتمع والتاريخ لا يستطيع أن يرى في المختلف معه شريكاً متساوياً في الوطن.
فالتاريخ لا يعرف حقيقة سياسية أخيرة. والواقع لا يسير وفق كتاب مقدس أيديولوجي سبق أن كتب له مستقبله. والإنسان ليس مادة خاماً بين يدي الأيديولوجيا كي تصنعه وفق صورتها عن الإنسان. إن استعادة أهداف العرب الدنيوية عبر السياسة المعبرة عن مصالح العرب، وعن مصالح الإنسان العربي، في خطاب خالٍ من الأوهام الأيديولوجية ذات الإرهاب الديني، هي مهمة المفكر المهجوس بحياة العرب ومستقبلهم الآن.
