من جديد، عادت المواجهة الأمريكية - الإيرانية إلى موجة جديدة من الهدوء، وهو هدوء مشوب بالحذر ومفتوح على الاحتمالات كافة، كما عودتنا سابقاتها من مراحل الحرب التي كلما بان أنها مشرفة على نهاية أو حسم، على أي وجهٍ كان، عادت إلى سيرتها الأولى من الوعيد والتهديد المتبادَلَين.
وسط حسابات داخلية تخص كل طرف، وأخرى إقليمية متداخلة ومتشعبة، هدأت نار الحرب، بعد ضربات أمريكية تواصلت لثلاث عشرة ليلة، وكان منتظراً، وفق الخطاب الأمريكي، أن تكون المنطقة على موعد مع استهداف أكبر لإيران، يحسم المواجهة، إما بتنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وإما تَحَمُّل مزيد من عواقب الإخلال به.
رغم ما قيل عن أن واشنطن وصلت بالاستعدادات لضرب إيران إلى الدرجة القصوى، نقلت التقارير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختار مرة أخرى التريث أو الإرجاء، أملاً في أن تُفضي الجهود الدبلوماسية المعلنة أو السرية إلى حل يرجوه الجميع، وإن كانت فترة انتظاره طالت، وتَصَوُّر أن المنطقة قريبة منه انتهى إلى المراوحة في المكان.
وإن كانت طهران ردت على توقف الضربات الأمريكية المصحوب بالتهديدات بتعليق هجماتها العدوانية على دول الخليج، فإنها لم تتخلَّ بدورها عن لغة التهديد، مؤكدة أن عودة استهدافها يعني توسعاً جغرافياً للحرب، وهو ما يشي بأنها ستزيد عدد الدول التي سترميها بصواريخها، بما فيها إسرائيل.
نحن، إذاً، أمام مشهدٍ معادٍ يضع المنطقة على حافة القلق، ويستنزف أيامها، في انتظار حسم يتأخر، وهو أمر تستسيغه إيران، بل إنه محور سياستها في إدارة هذه الجولة من الصراع مع الولايات المتحدة، متكئة على المراوغة وهضم الأيام بلا طائل، وادعاء الجنوح إلى التفاوض بغير هدف، وتوزيع الكلفة على أطراف خليجية وعربية لا دخل لها بالصراع، والرهان على حسابات دونالد ترامب الداخلية والاستحقاقات التي تنتظره.
إن المنطقة تعود مرة أخرى إلى تداخل الحسابات الإقليمية، مما يعقد تصور الحل المرجو، ويطيل أمد الصراع، أو قد يدفع به فجأة إلى الذروة، إذا صح أن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، يفضل هذا المنحى، ويريد إقناع الرئيس الأمريكي به في لقائهما المرتقب بواشنطن. وهناك من يربط بما يعتبره تنازلات إسرائيلية في لبنان وغزة، وثمناً ينتظره نتنياهو لذلك، وهو بالتحديد القضاء على النظام الإيراني.
وهذه الرغبة لا تغيب عن حسابات طهران، بدليل أن إعلانها تعليق ضرباتها على دول الخليج، بعد التأجيل الأمريكي موقعة الحسم، خالطه تهديد من انخداع الأمريكيين مرة أخرى بالإسرائيليين، والعودة إلى الضربات، وأن الرد الإيراني سيكون توسيعاً جغرافياً للحرب، أي أن إسرائيل، إذا تجددت، ستكون في قلب الموجة المقبلة.
هي، إذاً، أيام جديدة للتوتر في المنطقة، وإن غابت ملامحه العسكرية، فالأقسى انتظار ما يلي، لأن ملامحه تضيع مجدداً بانقضاء الفرص التي تلوح لوقف الصراع، إما بتمهل طرف، وإما إصرار آخر على تضييع الوقت.