أكد المقدم محمد علي الدرمكي، ضابط تحقيق بشرطة أبوظبي، أن العمل في التحقيق الجنائي لا يرتكز على جمع الأدلة وإحالة القضايا فقط، بل على حماية الإنسان، وصون الحقوق، وتحقيق العدالة، من دون ظلم أو تسرّع، لأن أي خطأ قد يغيّر مصير شخص أو أسرة كاملة.
ويسترجع المقدم الدرمكي، واحدة من أبشع القضايا التي لاتزال عالقة في ذاكرته، حين كان على رأس عمله في نوبة ليلية، خلال فصل الشتاء، وبدأت الليلة ببلاغ حريق في مبنى قيد الإنشاء استمرت عمليات إخماده وتبريده ساعات عدة، قبل أن يرد بلاغ آخر من غرفة العمليات، عن العثور على طفل لقيط بالقرب من مكبّ نفايات.
يؤكد أن المشهد كان قاسياً منذ اللحظة الأولى، حيث عُثر على الطفل داخل علبة كرتونية ملفوفاً بشاش، ولا يزال دافئ الجسد، ما يدل على أنه لم يمضِ على ولادته سوى ساعات قليلة. ويشير إلى أن سرعة التحرك واتخاذ الإجراءات القانونية السليمة كانتا عاملين حاسمين، إذ جرى تطويق الموقع كونه مسرح جريمة، وأخذ عيّنة DNA من الطفل، التي قادت لاحقاً إلى التوصل إلى والدته وضبطها. مؤكداً أن هذه القضايا تختبر جاهزية المحقق ودقته في أصعب الأحوال.
العنف الأسري
ويصف المقدم الدرمكي، قضايا العنف الأسري بأنها من أكثر القضايا حساسية، مستذكراً قضية رجل مسنّ وزوجته تقدما ببلاغ على ابنهما الذي اعتدى عليهما، رغم إصرار الأب على عدم إيذاء ابنه أو الزجّ به في السجن، بل طلب الحماية والمساعدة فقط. ويوضح أن التعامل مع مثل هذه القضايا يتطلب موازنة دقيقة بين تطبيق القانون والحفاظ على الروابط الأسرية، حيث فتح بلاغ رسمي بالتوازي مع تحويل الحالة إلى الدعم الاجتماعي، في محاولة لاحتواء المشكلة قبل تفاقمها ووصولها إلى مراحل أخطر.
ويكشف أن التحريات أظهرت لاحقاً أن الابن يعاني إدمان المخدّرات وتأثير رفاق السوء، من دون علم أسرته. وتم ضبطه وإلحاقه ببرنامج تأهيلي، ما أسهم في تغيّر سلوكه وتحسّن علاقته بوالديه، في تجربة يصفها بأنها من الحالات التي تثبت أن العلاج أحياناً يكون أنجع من العقاب.
ويؤكد المقدم الدرمكي، أن المحقق لا يمكن أن يسمح لعاطفته بأن تقوده، لأن البكاء أو الانفعال قد يكون وسيلة ضغط أو تضليل. لأن الفيصل في أي قضية هو الدليل وحده، لا المشاعر ولا الانطباعات الشخصية.
التوعية المبكّرة
ويستذكر من القضايا اللافتة التي تعامل معها قضية فتى عمره 13 عاماً تورط في تزوير عملة ورقية بأسلوب بدائي متأثراً بما شاهده في الأفلام. ومثل هذه الحالات تؤكد أهمية التوعية المبكّرة واحتواء الطاقات قبل انحرافها.
ويصف أول مرة دخل فيها غرفة التحقيق بأنها تجربة لا تُنسى، حيث تعلم منذ البداية أن السؤال الصحيح في أول التحقيق يحدد مسار القضية بالكامل، وأي تسرّع أو سوء تقدير قد يؤدي إلى نتائج خطأ يصعب تصحيحها لاحقاً.
ويحرص على الفصل التام بين العمل والحياة الأسرية، مؤكداً أن التحقيق ينتهي بانتهاء الدوام، والبيت ليس مكاناً للمساءلة بل مساحة للطمأنينة والاحتواء، خاصة مع الأبناء.نها ت
خدمة الناس
واوضح أن أجمل ما في مهنة التحقيق، خدمة الناس وإعادة الحقوق لأصحابها. والمحقق الناجح يجب أن يتحلّى بالصبر والذكاء وعدم الانسياق خلف العاطفة، لأن العدالة مسؤولية لا تحتمل الخطأ.