الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قبس من معجم الأمة

7 أغسطس 2026 22:53 مساء | آخر تحديث: 7 أغسطس 22:56 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبس من معجم الأمة
icon الخلاصة icon
المعجم التاريخي يوثق تطور ألفاظ العربية ويعرض شواهدها عبر العصور مع إبراز دلالات «لفت» و«زعم» و«بقر»
المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.

«لفت»

هناك ألفاظ ومفردات عربية راسخة وضاربة في جذور التاريخ العربي، ومنها مفردة «لفت»، وهي جذر ثلاثي ومن معانيها الكلية «صَرْفُ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ»، وكذلك «اللَّيُّ»، وتفيد الفَتْل، والعَطْف، واللفظ غني بالدلالات في استخداماته المختلفة.
وعلى مستوى الفعل، نجد أن من معاني هذه المفردة (بفتح الفاء) لَفَتَ فُلانٌ إلى فُلانٍ وغَيْرِهِ يَلْفِتُ (بِكَسْرِ الفاءِ) لَفْتاً: اعْتَدَّ بِهِ واهْتَمَّ، واستُخدمت بهذه المعاني والدلالات في مختلف الأزمنة العربية.
ففي العصر الإسلامي، رُوِيَ عَنِ النَّبِيّ يَنْهى عَن الالتِفاتِ في الصَّلاةِ فقالَ: «فَإِذا الْتَفَتَ قالَ لَهُ الرَبُّ تَعالى ذِكْرُهُ: ‌إِلى ‌مَنْ ‌تَلْفِتُ؟ أَإِلى مَن هُوَ خَيْرٌ مِنّي!».
وفي حقبة الدول والإمارات، قالَ أبو حَيّان الأنْدَلُسِيّ يَذْكُرُ دَلالَةَ العِبارَةِ القرآنيّة (قُل سَمُّوهُم) «الرّعد: 33» عَلى تَحْقيرِ الذينَ اتَّخَذَهُم الكُفّارُ شُرَكاءَ للهِ، وأنَّهُم لا يُعْتَدُّ بِهِم.
والمَعْنى: «سَواءٌ سَمَّيْتُموهُمْ بِهذا الاسْمِ أَمْ لَم تُسَمّوهُمْ بِهِ فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ أَنْ ‌يَلْفِتَ العاقِلُ إلَيها».
أما في العصر الحديث، فقد قالَ عَبْد الرَّحْمن البَرْقوقِيّ يُبْدي الحاجَةَ إلى مَعْرِفَةِ نَواميسِ الطَّبيعَةِ: «هكَذا شَأْنُ مَن يُحاوِلُ أَنْ يَعيشَ بِغَيْرِ ‌لَفْتٍ إلى نَواميسِ الطَّبيعَةِ».
وكذلك من معاني «لفت»، لفت الحَبْلَ وغَيْرَهُ: لَواهُ وفَتَلَهُ، وكذلك وُظِّف هذا المعنى في عصور عربية مختلفة وما زال يُستخدم بالدلالة نفسها في عصرنا الراهن.
ففي فترة ما قبل الإسلام، ورد قول عمْرو ذو الكَلْبِ يَصِفُ سُرْعَةَ حَسْمِ القِتالِ لِصالِحِهِ:
وما لَبِثَ القِتالُ إذا الْتَقَيْنا
سِوى ‌لَفْتِ ‌اليَمينِ ‌عَلى ‌الشِّمَالِ.

«زعم»

ومن الكلمات والألفاظ التي استخدمت بصور وأشكال مختلفة بحسب السياق مفردة «زعم»، وهي جذر ثلاثي، ومن المعاني الكلية له «الظَّنُّ»، و«الطَّمَعُ»، وأيضاً «الكَفالَةُ والضَّمانُ»، ويشير هذا التعدد في المعاني إلى ثراء لغتنا الجميلة ذات المخزون الوافر من الألفاظ والجمل القابلة للاشتقاق والنحت.
وعلى مستوى الفعل نجد أن من معاني المفردة زَعَمَ (بِفَتْحِ العَيْنِ) فُلانٌ الأَمرَ يَزْعُمُ (بِضَمِّ العَيْنِ) زَعْماً، وزُعْماً، وزِعْماً: قَالَهُ وأَخْبَرَ بِهِ، واستخدمت في عصور عربية مختلفة.
ومن شواهد توظيف هذا اللفظ في عصر ما قبل الإسلام، قول كَلَدَةُ بنُ عَبْدِ مُرارَةَ الأَسَدِيُّ يَذْكُرُ قَوْماً طَالَبوهُ بِدِيَةِ قَتيلٍ قَتَلَهُ:
زَعموا ‌أَنَّني ‌أَديهِ أَلا لا
لا وَرَبِّ الإِحْرامِ والإِحْلالِ
لا أَديهِ حِقاً ولا ابْنَ لَبونٍ
ومَعي مُهْجَتي ولا ابْنَ إِفالِ
أما في العصر الإسلامي، فقد ورد قول أُمّ هانِئ بِنْت أَبي طالِبٍ تُخاطِبُ النَّبِيَّ عامَ الفَتحِ: «يَا رَسُولَ اللهِ، ‌زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً أَجَرْتُهُ».
وفي عهد الدول والإمارات، قالَ ابْنُ الأَبّارِ يَتَحَدَّثُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيّ الخَزْرَجيّ: «وأَجازَ لَهُ أَبو عِمْرانَ بنُ أَبي تَليدٍ وأَبو بَكْرٍ غالِبُ بنُ عَطِيَّةَ وأَبو الوَليدِ بنُ رُشْدٍ، ورَحَلَ حاجّاً، فَلَقِيَهُ بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَلى مَا ‌زَعَمَ أَبُو القاسِمِ عيسى بنُ عَبْدِ العَزيز المَعْروفُ بِالوَجيهِ الشَّريشيّ».

«بقر»

ومن الألفاظ التي تبرهن على تعدد استخدامات المفردة الواحدة في العربية وسعة ماعونها، لفظ «بقر»، ومن معانيها الكلية: «الشَّقُّ»، و«التَّوَسُّعُ»، و«الحَفْرُ»، و«جِنْسٌ مِنَ الحَيَوانِ»، و«الإِعْياءُ»، و«لُعْبَةٌ».
ومن معاني «بَقَرَ»، بَقَرَتْ (بِفَتْحِ القافِ) الفِتْنَةُ وَنَحْوُها تَبْقُرُ (بِضَمِّ القافِ) بَقْراً: انْتَشَرَتْ وَأَفْسَدَتْ، واستخدمت بذلك المعنى في عصور عربية مختلفة، ففي العصر الإسلامي، ورد قول النَّبِيُّ: «سَيَأْتي عَلى النّاسِ فِتْنَةٌ باقِرَةٌ تَدَعُ الحَليمَ حَيْرانَ».
أما في العصر العباسي، فقد قالَ ثَعْلَبٌ يَشْرَحُ قَوْلَ الخَنْساءِ «وَالْحَرْبُ قَدْ رَكِبَتْ جَرْباءَ باقِرَةً»: «أخْبَرَتْ أَنَّها تَبْقُرُ ما بَيْنَ النّاسِ بَعْدَ سَلْمٍ وَاتِّفاقٍ، وَتَبْقُرُ: تُفْسِدُ».
أما في العصر الحديث فقد قالَ ابْنُ أَنْبوجَهْ العَلَوِيُّ يُحَذِّرُ مِمَّنْ سَعَوْا إِلى الادِّعاءِ في الدّينِ:
وَحاوَلوا اسْتِئْصالَ شَأْفَتِهِ
بِحيلَةٍ تَدْهى النُّهى باقِرَهْ

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة