من أنت؟ من تريد أن تكون؟ ما خبرتك في الوجود؟ كيف تختار مصيرك وتبني هويتك وسط عالم يعج بالصراعات؟ كيف تواجه: السأم، الحزن، العزلة، تفاهة الحياة، وقلق الموت؟ وكيف تكون حراً ومسؤولاً في آن؟، هذه التساؤلات الكبرى التي تقض مضاجع الوعي البشري، يجيب عنها كتاب «مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي» لمؤلفيه رائدي الطب النفسي رولو ماي وإرفين يالوم.
الكتاب الذي ترجمه إلى العربية د. عادل مصطفى، ليس مجرد نظريات أكاديمية جافة، بل محاولة جادة لفهم الكائن الإنساني الحي الذي يعيش ويشعر ويتألم، متجاوزاً النظرات الاختزالية التي كثيراً ما عاملت الإنسان على أنه مجرد ردود أفعال ميكانيكية أو غرائز مكبوتة.
الكتاب الذي ترجمه إلى العربية د. عادل مصطفى، ليس مجرد نظريات أكاديمية جافة، بل محاولة جادة لفهم الكائن الإنساني الحي الذي يعيش ويشعر ويتألم، متجاوزاً النظرات الاختزالية التي كثيراً ما عاملت الإنسان على أنه مجرد ردود أفعال ميكانيكية أو غرائز مكبوتة.
مشاكل
ينظر العلاج الوجودي إلى المريض دائماً في سياق ثقافته الخاصة، فمعظم مشاكل البشر الآن هي الوحدة والعزلة والاغتراب، وعصرنا الحاضر هو عصر تفسخ الأعراف التاريخية والثقافية، وهذا التفسخ هو الذي جعل العلاج النفسي في القرن العشرين ينتشر بجميع أنواعه.
للفكر الوجودي جذور ضاربة في عمق التاريخ، فالملامح الوجودية لا تخفى على من ينظر في فكر سقراط والقديس أوغسطين والحلاج ودانتي وبسكال وبعض الرومانتيكيين الألمان، وصولاً إلى أواسط القرن التاسع عشر، حيث بدأت النبرة الوجودية تعلو وتتحدد.
وتبلغ النغمة الوجودية ذروة عالية في كتابات المفكر الألماني نيتشه الذي التقت فيه ملكات الفيلسوف والشاعر وعالم النفس في أصفى صورها، وحمل حملة شعواء ضد الزيف المتوطن في هذا العصر الحديث وأهله الذين استمرؤوا الأفكار الاتفاقية والرضا الذاتي، وزين لهم خداع النفس أن يعيشوا في عالم منقسم يعاني صدعاً متفاقماً بين المثال والواقع.
تراث
أما المؤسس الحقيقي للوجودية المعاصرة فهو المفكر الدنماركي كيركجارد الذي توفي عام 1855 بعد حياة قصيرة، تاركاً تراثاً في الأدب والفلسفة والفكر الديني، ولا يزال فكره السيكولوجي ثورة علمية لا تخمد، إن توكيد كيركجارد على أولوية الوجود والذاتية والنمو الشخصي والحدود الإنسانية يجعل منه أباً ومعلماً لجميع المفكرين الوجوديين في القرن العشرين.
تأصلت أفكار كيركجارد بعمق في تأملات عدد من الكتاب الفرنسيين والألمان في النصف الأول من القرن العشرين، فقد اجتذب جبرييل مارسيل الأنظار في الأوساط السيكولوجية والطبنفسية باستبصاراته الثاقبة في عدد من المسائل الوجودية، وشارك مارسيل في الوجودية شأنه شأن سارتر بأدبه المسرحي الذي ساعد على انتشار الوجودية بين سواد الناس ما أفادها في الذيوع، وإن أساء لها من جانب التلقي السطحي المعهود لدى عامة الجمهور.
لعل ألبير كامو وجان بول سارتر هما أكثر الوجوديين شهرة، وأبعدهم صيتاً، ويعد موريس ميرلوبونتي المتوفى عام 1961 آخر الفلاسفة الوجوديين الكبار في فرنسا فقد تلقى تدريباً سيكولوجياً، ودرس السيكوباثولوجيا والتحليل النفسي دراسة جادة، وكان أول الأساتذة الألمان استجابة لرسالة كيركجارد هو كارل ياسبرز الطبيب النفسي والفيلسوف الذي توفي عام 1969 بعد حياة أكاديمية طويلة وحافلة.
أما «رولو ماي» مؤسس العلاج الوجودي في أمريكا فإنه يؤكد مسؤولية المريض عن اضطراباته، وعما يجري له في حياته، ويحثه على أن يواجه ما يبدو له عوامل حتمية، تجبره على التسليم أو الانسحاب وتجنب الحياة، وله في ثيمة القلق إضافة رائدة ومهمة.
مواجهة
يميز رولو ماي بين نوعين من القلق، فهناك الدور الصحي الذي يضع يد المرء على مكامن إشكالية في حياته، وبذلك يفتح له الباب أمام إمكانات الحياة بصورة مختلفة، ويدفعه عن طريق المواجهة إلى مزيد من النمو والإبداع.
هناك دور آخر مرضي للقلق، وهو ما يؤدي بالمرء إلى تجنب هذه الإمكانات، ومحاولة العيش في قوقعة آمنة، ويبقى علامة تشير إلى الإمكانات غير المعيشة، وإلى الموت المبكر والوجود الضيق، وقد وجد رولو ماي في الخمسينيات أن معظم الأفراد يعانون ما أسماه «العصاب الوجودي» أكثر مما يعانون العصابات التقليدية.
العصاب الوجودي هو فقدان الإحساس بالذات وبالدهشة والشغف والثراء النفسي الداخلي والعجز عن امتلاك المرء لحياته وأفعاله وعن الاستقلال الذاتي والأصالة وعن أن يتوافر لديه بصورة مباشرة أساس داخلي ومصدر للأفعال والاختيارات، ونتيجة لهذا الفقدان ينشأ الإحساس بالفراغ والعبث والسأم والجزع واليأس ويسود إحساس غامر بالضياع والتخبط وفقدان المعنى في الحياة.
لا يتم الحديث عن العلاج الوجودي من دون ذكر الطبيب النمساوي فيكتور فرانكل مؤسس مدرسة العلاج بالمعنى الوجودي والذي بنى نظريته العلاجية على علم وافر مضفور بخبرة وجودية عميقة كنزيل بمعسكرات الاعتقال النازية، فيرى فرانكل أن سعي الإنسان إلى البحث عن معنى في حياته هو قوة دافعية أولية وليس تبريراً ثانوياً لحوافزه الغريزية.
تشويه
نشأ العلاج الوجودي بشكل تلقائي في أوروبا خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، استجابة لعدم ارتياح بعض الأطباء النفسيين للمدارس السائدة التي شوهت صورة الإنسان، ففي حين تركز الفرويدية التقليدية على الغرائز والدوافع المكبوتة، وتركز السلوكية على ردود الأفعال، يتساءل المعالجون الوجوديون: أين الشخص الحقيقي المباشر الذي تحدث له هذه الأشياء؟.
على المعالج الوجودي ألا يقع في ما وقع فيه غيره من المعالجين، وهو أول من يناضل ضد تشييء الإنسان والتلاعب به، واستلابه، خاصة إذا كان هذا الإنسان في مرحلة ضعف وحالة مرض، إن هدفه هو أن يلتقي المريض بنفسه ويخبر وجوده من حيث هو حدود وممكنات، وأن يتقبل القلق والذنب ويبني عليهما التزاماً مسؤولاً تجاه ممكناته الفريدة.