نشرت مجلة «تايم» الأمريكية تقريراً يستعرض تجربة إمارة دبي في ترسيخ السلوك المدني، وما إذا كان بالإمكان تصميم بيئة حضرية مشابهة، تدفع الناس إلى تبنّي سلوكيات إيجابية بصورة تلقائية، بحيث تصبح المحافظة على نظافة المدينة واحترام مرافقها مسؤولية مشتركة، لا مجرد التزام تفرضه الغرامات والقوانين.
وأكد التقرير أن دبي تقدم نموذجاً لافتاً في هذا المجال، إذ لا تكتفي بتطبيق الأنظمة والقوانين، وإنما تعمل على بناء ثقافة مدنية متكاملة تجمع بين جودة البيئة الحضرية، والوعي المجتمعي، والتكنولوجيا، والتحفيز الإيجابي.
تستهل «تايم» طرحها بمشهد لكاتب لديها خلال رحلة له في مترو دبي، عندما كان يسير خلف مجموعة من الأشخاص، يتناولون المشروبات الغازية والمثلجات في طريقهم إلى إحدى المحطات، وعند الوصول، أوقفت إحدى أفراد المجموعة، التي من الواضح أنها من سكان المدينة، رفاقها وطلبت منهم وضع الزجاجات والأكواب في سلة المهملات، وعندما سألها أحد الزوار عما إذا كانت هناك غرامة على إلقاء النفايات، لم تكتفِ بالإشارة إلى القانون، بل أجابت: «المسألة ليست بالغرامة، بل بنظافة المكان».
تلخص هذه العبارة، بحسب التقرير، التحول الذي تسعى دبي إلى ترسيخه: أن يصبح احترام المكان جزءاً من السلوك اليومي، وليس مجرد استجابة لاحتمال التعرض للعقوبة. وأن نظافة مترو دبي تمثل امتداداً لنهج المدينة ككل.
تشير «تايم» إلى تصنيف دبي المتقدم في مؤشرات المدن العالمية، فيما تؤكد البيانات الرسمية الحديثة أن الإمارة حافظت على لقب «أنظف مدينة في العالم» للعام السادس على التوالي، وفقاً لمؤشر المدن العالمية القوية، الذي تُصدره مؤسسة «موري» سنوياً. في انعكاس لمنظومة تشغيلية متكاملة للحفاظ على نظافة المدينة وبيئتها المتكاملة.
وفي هذا الصدد، تختبر دبي باستمرار كاميرات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمراقبة كيفية تعامل الأشخاص مع الأماكن العامة، مع فرض غرامات على من يثبت ارتكابه مخالفات تتعلق بإلقاء النفايات.
لكن الإمارة لا تراهن على سياسة العقاب وحدها، ولا تنظر إلى النظافة باعتبارها مسألة جمالية فقط، بل كجزء من جودة الحياة والهوية الحضرية والتنافسية العالمية. وتؤكد لجنة دبي للآداب العامة أن النظافة والسلوك المنضبط واحترام النظام والمسؤولية المشتركة تشكل عناصر أساسية في نموذج المدينة الحضري.
ولذلك، تستثمر الإمارة أيضاً في تقديم الحوافز. ففي خريف العام الماضي، أطلقت لجنة دبي للآداب العامة مهمة طموحة تتمثل في «تعزيز السلوكيات الإيجابية» بين السكان. يقول سعيد النظري، الأمين العام للجنة: «نريد أن يشارك المجتمع بأسره في الوقاية، وعند الضرورة، في الإصلاح».
وتكتسب التجربة أهمية إضافية في مدينة ذات مجتمع دولي واسع، إذ يعيش في دبي أشخاص من عشرات الجنسيات والثقافات، يحمل كل منهم خلفيات وتجارب مختلفة. لكن التقرير يرى أن البيئة الحضرية المنظمة تستطيع أن تساعد على بناء معايير مشتركة للسلوك، بحيث يتكيف السكان والزوار مع المستوى المرتفع الذي تضعه المدينة لنظافة الأماكن العامة واحترامها.
وينقل التقرير عن أحد المقيمين في دبي منذ 30 عاماً، أن البيئة التي يجدها القادمون إلى الإمارة تساعدهم سريعاً على تبنّي سلوك مختلف في التعامل مع الأماكن العامة، بما يعكس تأثير البيئة الحضرية في تشكيل العادات اليومية.