ما أكدته الإمارات مجدداً، من أنها ماضية في سياستها المتزنة والعاقلة، والتي «تقوم على ثلاثية الردع والدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي»، وفق المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة الدكتور أنور قرقاش، يأتي في توقيت تتعرض فيه سفن شركة أدنوك لسلسلة من الاعتداءات في مضيق هرمز، الذي تصر إيران على أن ترتهن الملاحة فيه لإرادتها، رغم مخالفة سلوكها هذا الصريحة للقانون الدولي، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2817، في استمرار لسلوكها العدواني على مدار أشهر.
الاتزان والعقلانية في السياسة الخارجية الإماراتية ينبعان من إدراك إماراتي متواصل بأن الحكمة لا بد أن تحضر في القضايا المعقدة إقليمياً وعالمياً، من باب حرصها الدائم والمستمر على الاستقرار والسلام والتعايش، ليس فقط على الصعيد الإقليمي، وإنما على الصعيد العالمي أيضاً، ومن ثم نجد أن من بين الأهداف الخمسة لاستراتيجية السياسة الخارجية الإماراتية 2023 2026 هدفَي الاستقرار الإقليمي، والمسؤولية العالمية الفاعلة، بحيث يتضمن الهدف الأول «دعم الجهود الدولية للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي»، بينما يتضمن الهدف الثاني «تعزيز دور الدولة في الحوار العالمي والأجندة العالمية للتنمية». أهداف عنوانها البناء وليس الهدم كما تفعل أطراف أخرى في المنطقة، أهداف جوهرها التعاون وليس العدوان الذي استمرأته إيران.
كما أن البند العاشر من بنود مبادئ الخمسين قد نص على أن «الدعوة للسلم والسلام والمفاوضات والحوار لحل الخلافات كافة هي الأساس في السياسة الخارجية لدولة الإمارات»، واعتبار «السعي مع الشركاء الإقليميين والأصدقاء العالميين لترسيخ السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي محركاً أساسياً للسياسة الخارجية».
هذه الحكمة الإماراتية، وما تعنيه من إيلاء الاهتمام اللازم للحركة الدبلوماسية في إطار الالتزام بالقانون الدولي، وما يتطلبه تعقد المشاكل الإقليمية والدولية من صبر ومثابرة، لا يعني بأي حال من الأحوال القبول بالاعتداءات، فهذه ينبغي ألا تحدث ابتداء، وإذا حدثت فمن الضروري التصدي لها، ولقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حازماً مع بداية الاعتداءات الإيرانية عندما وجه رسالة للعدو بأن الإمارات «جلدها غليظ، ولحمتها مرة، ونحن لا نؤكل».
في ظل هذا الوضوح في الرؤية والثبات في الشدة فإن حرية الملاحة واستخدام مضيق هرمز حق أصيل للإمارات، وهذا حق كفله القانون الدولي لها ولغيرها من الدول، ومن ثم فإن الاستمرار في الدفاع عن السيادة والمصالح الوطنية يترافق «مع مواصلة مسار الحوار وتغليب الخيارات الدبلوماسية».
وانطلاقاً من قناعة إماراتية بأن الموقف الخليجي الموحد بمثابة «ركيزة أساسية لحماية أمن المنطقة ومصالح دولها في هذه الأزمة المستمرة»، فقد أكد قرقاش بذل الإمارات كل جهد لازم من أجل تحقيق ذلك.
الإمارات ومعها دول مجلس التعاون كانت واضحة منذ قبل نشوب هذه الأزمة، حيث إنها عملت ابتداء على منع نشوبها، وعندما اندلعت نأت بنفسها عنها، لكن الاعتداءات الإيرانية تواصلت عليها رغم وضوح مواقفها، وسعيها لوقفها بكل السبل الممكنة، ومع كل تدهور لم تفقد الإمارات ودول الخليج وغيرها من الدول، التي تلعب دوراً مهماً في الوساطة، الأمل في العودة إلى ما تم الاتفاق عليه، بما يتوافق مع القانون الدولي.