ما كنت لأكتب عن الورق لولا مروري على واحدة من أكاذيب بعض المؤسسات الثقافية في الغرب، تلك الأكذوبة التي أوردها الباحث ريتشارد أوفندن في كتابه «إحراق الكتب» وهو ذكر المعلومة، لكنه لم يعتمدها أو يتبنّاها، فقد قال إن إحدى روايات مكتبة الإسكندرية تفيد «أن عمرو بن العاص هو من دمّر المكتبة بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب»، وإمعاناً في الكذب تقول الرواية إنه «تمّ توزيع المخطوطات على أربعة آلاف حمّام في الإسكندرية حيث استخدمت وقوداً لتسخين الماء».
ينفي هذا الكذب باحث عنده ضمير، كما يقولون، هو إدوارد غيبون، ويقول: من غير المنطقي قبول فكرة أن يحرق خليفة من المسلمين الكتب الدينية المسيحية واليهودية، اللتين يعتبرهما الإسلام ديانتين سماويتين. وهنا نرى أن أوفندن يتبنى هذا النفي الذي ذكره غيبون، بل وأكثر من ذلك يقول أوفندن.. «لقد تعلّمت المجتمعات الإسلامية كيفية صنع الورق من الصين، ووفقاً لموسوعي القرن الثالث عشر ياقوت الحموي، فقد تأسس أوّل مصنع للورق في بغداد في عام 795 ميلادية، وأنتج هناك من الورق ما يكفي بحيث يتمكن كَتَبة الدواوين من استعماله بدلاً من ورق البردي والبرشمان».
هنا أعود بالقارئ إلى كيفية صناعة ورق البردي في مصر التي جاء أُوفندن على ذكرها في كتابه «إحراق الكتب».. يقول: «يستخرج البردي من لبّ جذع قصب نبات البردي. وتوضع طبقات اللبّ فوق بعضها باستخدام الماء، وتجفف تحت الشمس ثم تُصقل لتتيح للسطح أن يأخذ شكل الحبر».
هناك ورق آخر هو ورق البرشمان، وهو أقوى من البردي وأكثر تماسكاً في مقابل هشاشة البردي ونعومته وسرعة احتراقه، ومع ذلك، ومن حظ الثقافة الإنسانية العالمية أن نجت الكثير من مخطوطات البردي ومن بينها قصائد للشاعرة الإغريقية سافو، ويزعم أحد كتّاب عصر النهضة، بحسب أوفندن، أن أعمال سافو الشعرية أُحرقت في روما والقسطنطينية في عام 1073 بأوامر من البابا غريغوري السابع.
يقول تاريخ الورق إن الطغاة، والمتعصّبين والجهلة من بعض الأباطرة والملوك ورجال السلطة في الحضارات القديمة لم يحرقوا المدن والبشر فقط، بل حرقوا الكتب أيضاً، وتحولت الأنهار إلى دوّامات سوداء من اصطباغ الحبر بالماء، غير أن العجيب في هذا التاريخ الهشّ أن البشر الذين كانوا في لفافات ذلك الورق مازالوا على قيد الحياة إلى اليوم.
