يمنح اللون في الفن التشكيلي اللوحة قدرة خاصة على تجاوز حدود الوصف المباشر، ليتحول إلى لغة قائمة بذاتها، تحمل الإحساس والمزاج والذاكرة والرمز، وفي كثير من التجارب التشكيلية، يبرز اهتمام الفنان بإعادة بناء المشهد المألوف للعين، ليركز في عمله على الأثر الداخلي الذي يتركه في نفس المتلقي، في تقنية تهدف إلى تحويل المكان إلى حالة شعورية، تلعب الألوان فيها دوراً بارزاً في توسيع دلالات العمل، وإطلاق طاقتها التعبيرية.
وهنا تتجلى قيمة الفن التشكيلي، أن يحول المشهد المرئي إلى إحساس، وأن يمنح اللون للفنان قدرة على قول ما تعجز الكلمات أحياناً عن قوله، وتصبح اللوحة بحد ذاتها عملاً مفتوحاً للتأويل، في حضور جمالي ووجداني في حدود الذاكرة، تتنقل فيها عين المتلقي بين ما تراه وما يستشعره في قلبه.
*تكوين
الفنانة نوف الضرس في هذا العمل الذي نتأمله، جسدت هذه الحالة الشعورية فرسمت في لوحتها مشهداً طبيعياً من مشاهد البحر أو الخور، ولكنها في الوقت عينه تتجاوز حدود النقل الواقعي للمشهد، لتضع المتلقي في وسط تجربة بصرية تتداخل فيها الأرض والماء والسماء، وحتى الضوء، وتجعل من الطبيعة والنهر فضاء للتأمل، وتستعين على ذلك بحرفية ومهارة توزيع درجات الألوان لتكوين مشهد تتغير دلالته بحسب تحركات عين المتلقي في قلب العمل.
فكرة اللوحة قائمة على مشهد تتوزع فيه العناصر التشكيلية في امتداد أفقي، والنصف السفلي من اللوحة يوحي بامتداد الماء نحو عمق البحر بحسب حركة الفرشاة، مع انعكاس واضح لضوء الغروب على سطح الماء، ولعل الفنانة أرادت أن تتعاقب طبقات المشهد حسب حركة عين المتلقي من السماء في الجزء العلوي، ثم نحو الكتلة الجبلية في الأفق، ثم البحر الذي يحتل مساحة واسعة من اللوحة، هذا البناء الأفقي والرأسي منح العمل حالة من الامتداد والهدوء، تاركاً حرية لعين المتأمل لتتحرك في كل الاتجاهات بصورة سلسة وطبيعية.
وتبرز في الجزء العلوي مناظر الجبال الداكنة على جانبي اللوحة، لتبدو وكأنها تحتضن العمل، وتوجه النظر نحو مركز المشهد. وهذه المعالجة التركيبية مهمة للغاية، لأنها تصنع نوعاً من الإطار الطبيعي داخل اللوحة، بحيث يصبح الوسط أكثر انفتاحاً وإضاءة. فبدلاً من أن تكون الجبال عناصر ثانوية في المشهد، حولتها الفنانة إلى كتلة لونية بصرية عملت على ضبط إيقاع المشهد وتحديد اتجاه حركة العين داخل اللوحة.
*تعبير
يؤدي القارب الذي تقع عليه العين في الجانب الأيمن من اللوحة، دوراً فنياً نفذ بحرفية من الفنانة، فوجوده بحجم صغير نسبياً مقابل الامتداد الكبير للماء، يخلق حالة من الإحساس باتساع المكان لدى المتلقي، كما أن موقع القارب بالقرب من الحافة اليمنى يجعله نقطة جذب جانبية للعين، وهنا استطاعت الفنانة توزيع نقاط الجذب والانتباه داخل التكوين العام للعمل، تاركة للمتلقي تأويل سرديته الخاصة داخل هذا الفضاء الواسع، وتفتح له المجال أمام أسئلة عن المكان والرحلة والانتظار والوصول، أما طيور النورس البيضاء فتضيف بعداً آخر للحركة، فقد منحت المشهد إحساساً بالحياة والحرية، وكسرت هدوء البحر في لحظات الغروب.
هذا التوزيع الذكي للعناصر التركيبية في التكوين، ترافق مع توزيع لوني مدروس ومتناسق منح اللوحة بنيتها النهائية، فكان اللون هو العنصر التعبيري الأكثر حضوراً في تشكيل الرؤية الفنية العامة، ونلاحظ أن الأزرق بدرجاته المختلفة سائد في اللوحة خصوصاً في الجبال والماء والأطراف، وتبرع الفنانة في تدريج اللون بين الأزرق القاتم، والأزرق البحري، والأزرق الملطخ باللون البنفسجي والأبيض، وهذا التنوع يمنح اللون الواحد مستويات متعددة من التعبير، حيث نراه داكناً في الجبال ليوحي بالثقل والبعد والرسوخ، بينما نجده في درجات فاتحة في الماء والسماء ليجسد الانفتاح والشفافية.
وفي مركز اللوحة وتحديداً منطقة الضوء المنعكس على الماء، تأتي درجات لونية دافئة من الأصفر والذهبي والبرتقالي، لتكسر فيها الفنانة برودة الأزرق، في تناقض بين البارد والدافئ يزيد من جماليات اللوحة، ما يمنح المشهد إحساساً بالغروب أو اللحظة الانتقالية بين النهار والمساء.
اللوحة التشكيلية