الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
كفاءة التقنية لا تمنحها مسؤولية القرار الصحي

الطبيب والخوارزميات.. من يقود مستقبل «البالطو الأبيض»؟

23 أغسطس 2026 00:36 صباحًا | آخر تحديث: 23 أغسطس 00:41 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
icon الخلاصة icon
تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي بالصحة بالإمارات مع بقاء الثقة بالطبيب؛ دور مساعد لا بديل ومسؤولية القرار للبشر مع نجاحات بالأشعة وتقليل الانتظار
تحقيق: حسن حمدي سليم
قبل أن يصل المريض إلى عيادة الطبيب، ربما يكون قد ناقش أعراضه على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وحصل منه على تفسير أولي أو تشخيص محتمل، ثم دخل غرفة الكشف وفي ذهنه تصور مسبق عن مرضه وعلاجه.
وتكشف أرقام حديثة، اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في القرارات الصحية اليومية لدى الأفراد بدولة الإمارات، إذ أظهر تقرير «إيدلمان للثقة 2026» الصادر في يونيو الماضي أن 59% من المشاركين في الدولة يستخدمون الذكاء الاصطناعي للمساعدة على إدارة صحتهم، مقابل 35% عالمياً.
لكن اتساع استخدام التقنية لا يبدو أنه جاء على حساب الثقة بالطبيب، إذ أظهر التقرير نفسه أن 89% من المشاركين في الإمارات يثقون بأطبائهم للحصول على معلومات صادقة بشأن القضايا الصحية وسبل حماية صحتهم، بما يعكس نموذجاً تتقدم فيه التقنية إلى جانب الطبيب، لا بديلاً عنه، إذ أوضحت نتائج التقرير أن المستهلكين في الدولة ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي والخبرة الطبية عنصرين متكاملين.
وبين خوارزمية تستطيع تحليل آلاف الصور والبيانات خلال ثوانٍ، وطبيب يفحص المريض ويربط الأعراض بتاريخه الصحي ويتحمل مسؤولية القرار، يطرح التوسع المتسارع في استخدام التقنية سؤالاً: هل يصبح الذكاء الاصطناعي طبيب المستقبل، أم يظل أداة مساعدة في يد الطبيب؟

عضو بالفريق

ويرى د. سيف أحمد درويش، استشاري طب المجتمع والصحة العامة، أن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الطبيب في المستقبل القريب، لكنه سيغير شكل العلاقة العلاجية، لتنتقل من نموذج يضم المريض والطبيب فقط، إلى فريق يجمع المريض والطبيب ومساعداً صحياً يعمل بالذكاء الاصطناعي.
د. سيف أحمد درويش
د. سيف أحمد درويش
وقال ل«الخليج» إن هذا المساعد قد يصبح جزءاً من الفريق الطبي إلى جانب الطبيب والممرض واختصاصي التغذية والتثقيف الصحي، وقد يكون موجوداً مع المريض في منزله لمتابعة بعض المؤشرات وشرح وتبسيط بعض التحاليل والتقارير، لكن دون أن يتخذ القرارات المصيرية المتعلقة بالتشخيص والعلاج.
ويتفق د. مازن حميد، استشاري طب الجهاز الهضمي مع هذا المنظور، مشيراً إلى أن هذه الأدوات قد تساعد المريض على معرفة وجهة نظر عامة حول حالته تسهل مناقشته للطبيب، شريطة عدم التعامل مع إجاباتها كونها تشخيصاً ذاتياً أو قراراً علاجياً، إذ تعتمد دقتها على المعلومات التي يقدمها المستخدم والتي قد تكون ناقصة أو غير صحيحة.
وأوضح أن الخطورة تبدأ عندما يتعامل المريض مع الإجابة بوصفها رأياً نهائياً، ثم يكتفي بمراقبة الأعراض انتظاراً لتحسنها أو تدهورها، ما قد يؤخر التشخيص والعلاج، ويدخله في دائرة من الخوف والقلق.
د. مازن حميد
د. مازن حميد

تصورات مسبقة

وأكد ل «الخليج» أن العيادات باتت تستقبل بصورة متكررة مرضى كوّنوا تصورات مسبقة عن حالاتهم بعد سؤال أدوات مثل«ChatGPT»، ويخبرون الطبيب بالتشخيص الذي توصلوا إليه، حتى قبل إجراء الفحص أو ظهور نتائج التحاليل.
ويحذر استشاري الجهاز الهضمي من تناول أي أدوية تقترحها أدوات الذكاء الاصطناعي من دون الرجوع إلى الطبيب، نظراً لاحتمال تعارضها مع الحالة الصحية أو الأدوية الأخرى، بما قد يؤدي إلى مضاعفات خطِرة.
ويشير د. سيف أحمد درويش إلى أن صعوبة القرار تزداد لدى كبار السن والمصابين بأكثر من مرض، إذ قد يستخدم المريض أدوية للقلب والكلى والسكري في الوقت نفسه، ويؤثر علاج أحد الأمراض في المرض الآخر. وهنا يوازن الطبيب بين الفائدة والضرر، ويراعي عمر المريض ووظائف أعضائه وقدرته على الالتزام وظروفه النفسية والاجتماعية.

مسؤولية الخطأ

ويوضح د. سيف أن المسؤولية تمثل أحد أهم الأسباب التي تحول دون منح الذكاء الاصطناعي سلطة القرار الطبي، فالطبيب يحمل ترخيصاً مهنياً ويخضع للمساءلة، بينما لا يمتلك النظام ذمة مهنية مستقلة، كما أن أغلب النماذج تذكر بوضوح مع كل إجابة إنها ليست طبيبة ومن الأفضل استشارة الطبيب.
ويضيف: « من يتحمل المسؤولية عند وقوع خطأ، هل الشركة المشغلة لنموذج الذكاء الاصطناعي؟ أم المريض؟ لذا تؤكد منظمة الصحة العالمية أنه يجب استخدام تلك الأدوات، لكن تحت الإشراف البشري».
ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه تعويض الجانب الإنساني في العلاقة العلاجية، خصوصاً في مجالات الطب النفسي والأورام والرعاية التلطيفية وطب كبار السن، فالمريض لا يحتاج إلى المعلومة فقط، وإنما إلى شخص يسمع مخاوفه، ويناقش خياراته، ويراعي ظروفه وقيمه.
ويشدد د. سيف على أن الأدوات المتاحة حالياً لا يمكنها سوى أداء مهام محددة وفق الغرض الذي صممت من أجله، ولا تملك قدرة الطبيب من تقييم الوعي والأعصاب أو تمييز الشحوب أو الاصفرار أو جس النبض أو تقييم التدخلات الدوائية المعقدة في الحالات المصابة بأكثر من مرض، مشيراً في الوقت نفسه إلى إمكانية توسع أدوار هذه الأدوات مستقبلاً، مثلما هي الحال في مجال الأشعة والصور الطبية.

التجربة الإماراتية

وتظهر التجربة الإماراتية أثراً عملياً لهذه التقنيات، إذ توسعت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية في استخدام حلول الذكاء الاصطناعي ضمن خدمات الأشعة، في مجالات تشمل الكشف المبكر عن سرطان الثدي عبر تحليل صور الماموغرام، وتحليل صور الصدر لأمراض الرئة، ورصد الكسور الدقيقة التي قد لا تُرى بالعين المجردة، والكشف الاستباقي عن هشاشة العظام من خلال صور الأشعة التي تجرى لأغراض تشخيصية أخرى. وبحسب المؤسسة، أسهم استخدام التقنيات الذكية في تقليل الحاجة إلى زيارات التصوير التشخيصي للثدي بنسبة 88%، فيما تقلص زمن انتظار التشخيص من 19 يوماً إلى يوم واحد، بما أتاح تطبيق نموذج «التشخيص في اليوم نفسه».
وتقول الدكتورة أمينة الجسمي، مديرة إدارة الأشعة في المؤسسة، ل«الخليج»، إنه يتم تجهيز المريض للفحص داخل المركز الصحي، بينما يتحكم طبيب الأشعة في الجهاز عن بُعد، ويتابع الصور ويقرأ النتائج لحظياً، ما يتيح اتخاذ قرار سريع بشأنها. وتضيف إن التقنية تمنح الطبيب سيطرة كاملة على عملية الفحص، بدرجة دقة مرتفعة توازي أجهزة الأشعة الاعتيادية، إذ يستطيع الطبيب التعامل مع الصور والتحكم في الجهاز عن بُعد، ثم تشخيص الحالة فوراً وتحديد ما إذا كانت تستدعي التحويل العاجل للمستشفى الرئيسي أو معالجتها بالمركز الصحي.

طبيب أكثر تفرغاً

يرجح د. سيف درويش أن يتولى الذكاء الاصطناعي مستقبلاً جزءاً من الأعمال المكتبية المرهقة، مثل كتابة الملاحظات وتلخيص الملفات والتوثيق والبحث الروتيني، ما يمنح الطبيب وقتاً أكبر لفحص المريض وتفسير المعلومات واتخاذ القرارات المعقدة.
كما يمكن استخدامه في مجال الصحة العامة لتحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية والمجتمعية واكتشاف أنماط انتشار الأمراض، وتحديد الفئات الأكثر عرضة، وتقدير الاحتياجات المستقبلية من الخدمات الصحية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة