لا تتوقف إسرائيل عن سياساتها العدوانية في المنطقة، لاسيما في الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا تأبه بالنداءات الدولية التي تطالبها بالتوقف عن انتهاك القانون الدولي وعرقلة مسار السلام على أساس «حل الدولتين»، وهو ما يتجلى في تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، إلى جانب فرض واقع ديموغرافي وجغرافي معقد في الضفة الغربية والقدس الشرقية يهدف إلى تقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة قابلة للحياة.
بالتوازي مع المماطلة في تنفيذ استحقاقات السلام في قطاع غزة المدمر، تنتهك إسرائيل بأبشع الصور القانون الدولي والمواثيق الإنسانية في الضفة الغربية، وها هي تتعمد عزل القدس عن باقي الأراضي الفلسطينية عبر طرح مناقصة لبناء 1234 وحدة جديدة ضمن مشروع «إي 1» الاستيطاني غير القانوني، حيث تمثل هذه الخطوة تحولاً خطيراً ينقل المخطط من النوايا السيئة إلى حيز التنفيذ الفعلي على الأرض، ما يؤدي إلى قطع التواصل الجغرافي تماماً بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ويفرض أمراً واقعاً يعزز سياسات الضم، ويعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، ويدفع بالمنطقة نحو مزيد من التصعيد وزعزعة الاستقرار الهش.
هذا السلوك الإسرائيلي غير المسؤول، فجّر موجة إدانة واسعة النطاق على الصعيدين العربي والدولي، تجسدت في تحركات ومواقف صارمة ترفض المساس بالوضع القانوني والتاريخي للأراضي المحتلة. وأصدر وزراء خارجية الإمارات وسبع دول عربية وإسلامية بياناً شديد اللهجة والوضوح حذروا فيه من أن خطة «إي 1» تمثل «تصعيداً خطيراً» يمهد للضم الفعلي، ويقوض تماماً فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً وقابلة للحياة، كما طالبوا مجلس الأمن الدولي باتخاذ تدابير عاجلة وفعالة لوقف التوسع الاستيطاني، وضمان حماية الشعب الفلسطيني، وصون حقوقه غير القابلة للتصرف، بما في ذلك حقه في تقرير المصير وتحقيق دولته المستقلة.
وفي ذات السياق أيضاً، أعلنت دول أوروبية وغربية كبرى، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، رفضها للخطوة الإسرائيلية واعتبرتها «عملاً غير مقبول ومدمراً للجهود السياسية»، واستدعت بريطانيا القائم بالأعمال الإسرائيلي للاحتجاج، فيما تصاعدت التلميحات الدبلوماسية الأوروبية حول إمكانية فرض عقوبات على إسرائيل وتوجيه تحذيرات قانونية لشركات المقاولات من المشاركة في العطاءات لبناء الوحدات الاستيطانية الجديدة.
تصاعد اللهجة الدولية ضد إسرائيل يعبر عن مخاوف جادة من انسداد سياسي قاتل أمام مسار السلام وينذر بتدمير ما تبقى من ركائز «حل الدولتين»، وهو ما يستدعي تجاوز المواقف الدولية مرحلة الإدانة التقليدية إلى اتخاذ إجراءات عقابية وقانونية لكبح التطرف الإسرائيلي، وسط ضغوط شعبية وحقوقية متزايدة تطالب بمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها المستمرة للقانون الدولي في غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة وتهديدها للاستقرار الإقليمي عبر استمرار اعتداءاتها المتكررة على الجوار وخصوصاً في لبنان وسوريا.
من شأن هذه السياسة أن تضع النظام الدولي بأكمله أمام اختبار مصيري لمدى فاعلية قوانينه ومؤسساته في لجم القوى المارقة، إذ سيؤدي استمرار التسامح مع هذه الانتهاكات إلى تعميق الشعور بالعجز الأممي وتكريس سياسة الكيل بمكيالين، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً لأن نتائجه وخيمة وستؤدي إلى تفجير موجات جديدة من العنف الشامل، تتبدد معها أي فرص متبقية لبناء السلام العادل والدائم.