اختار معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصية محورية للمعرض، وهي المرة الأولى التي يحضر فيها أوّل منشئ لعلم العروض في معرض للكتاب باعتباره واحداً من أهم أعلام الثقافة الأدبية العربية، ويشكّل حضور الفراهيدي أيضاً استعادة تاريخية للظاهرة الثقافية التي يمثلها بمفرده، إلا أن تلك (الفردية) كانت متعددة وغزيرة على مستوى الإسهام الجذري في الأدب وفي الثقافة، فهو معجمي وعروضي ونحوي ولغوي وموسيقي وشاعر، إلا أن شخصية الفراهيدي المعروفة على نطاق واسع في الأدب واللغة هي ذات الصلة بالعروض ووضع البحور الوزنية القائمة على التفعيلات الأصلية وأشكالها الإيقاعية، وهو علم قائم بذاته يتداخل فيه ما هو رياضي، مع ما هو موسيقي، إضافة إلى جماليات هذا العلم (العروضي) وعلاقتها بالغناء العربي القائم على الشعر.
شخصية الفراهيدي التعددية، العلمية والفكرية والنقدية، تعطي هذه الدورة من معرض أبوظبي الدولي للكتاب ميزة ثقافية واضحة، لكن المهم أيضاً في اختيار الفراهيدي شخصية محورية في المعرض هو الرمزية التي يحملها هذا الاختيار، وهي في رأيي إحياء علم العروض في المدارس ومؤسسات التعليم الحديثة في ضوء إهمال هذا العلم في مناهج التدريس العربية، وتفشي الأمية الموسيقية في الأذن العربية عند الاستماع لقصيدة عربية وردها إلى البحر العروضي الذي تجري وفقه.
حضور ظاهرة الفراهيدي في المعرض أيضاً عودة ضمنية إلى كلاسيكيات البلاغة العربية، والعودة أيضاً إلى ثقافة قراءة المعاجم العربية، والعودة إلى أمهات كتب النحو، وبكلمة ثانية، ترمز محورية الفراهيدي في المعرض إلى محورية اللغة العربية، وثقافة الفصحى وجماليات هذه الثقافة، وأسرارها وأعماقها البلاغية التي انشغل بها الفراهيدي على مستويين، الأول: مستوى اللغة في معجمه العظيم (العين)، والثاني: المستوى الوزني الموسيقي، وذلك باهتدائه إلى وضع علم العَروض الذي استخلصه من الشعر العربي.
رمزية الخليل بن أحمد الفراهيدي في معرض أبوظبي الدولي للكتاب تحيل أيضاً إلى الشخصيات التي تشكّل ذاكرة وتاريخاً وركناً معتمداً في الأدب وفي الثقافة وفي الفنون القريبة من عائلة الشعر، كما تدفعنا هذه الرمزية إلى قراءة صاحب (العين) من جديد، وبرؤية معرفية جديدة.
