الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حكاية وطن تُروى بصبر امرأة

27 أغسطس 2026 17:44 مساء | آخر تحديث: 27 أغسطس 18:25 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
icon الخلاصة icon
المرأة الإماراتية امتداد لصبر الماضي؛ أم وزوجة وموظفة وقيادية تتكيف وتتطور دون فقد الجذور، وشريك أساسي في بناء الوطن ومستقبله
حين نتحدث عن المرأة الإماراتية، لا ينبغي أن نبدأ من مكاتب العمل الحديثة، ولا من المناصب التي وصلت إليها، ولا من الشهادات التي تحملها اليوم .. فحكايتها أقدم من كل ذلك وأعمق.
إنها حكاية امرأة عرفت الحياة قبل أن تتغير ملامحها، وعاشت أياماً كانت فيها المسؤولية أكبر من الإمكانات، لكنها لم تكن أكبر من عزيمتها.
في الماضي، كانت المرأة الإماراتية جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية .. كانت الأم التي تدير بيتها، وتربي أبناءها، وتحافظ على تماسك أسرتها، وكانت ابنة البيت التي تعرف معنى المسؤولية منذ صغرها، وكانت الزوجة التي تقف إلى جانب أسرتها في أيام الراحة وأيام التعب، لم تكن حياتها سهلة ولم تكن أمامها كل وسائل الراحة التي نعرفها اليوم لكنها كانت تمتلك شيئاً لا يمكن أن توفره التكنولوجيا وهو الصبر المميز لديها.
كانت تعرف كيف تصنع من القليل كثيراً، وكيف تجعل من البيت الصغير عالماً كبيراً لأبنائها. كانت تتعامل مع ظروف الحياة بما توفر لديها، وتواجه مشقتها بهدوء، وتكمل يومها من دون أن تنتظر تصفيقاً أو شهادة تقدير.
ولذلك، فإن المرأة الإماراتية التي نراها اليوم ليست امرأة بدأت قصتها مع التطور؛ بل هي امتداد لتلك المرأة التي سبقتها.
ومع قيام دولة الإمارات وتطورها، بدأت صفحة جديدة في حياتها. فُتحت أمامها أبواب التعليم، ثم العمل، ثم اتسعت أمامها المساحات لتشارك في مجالات مختلفة من الحياة. ولم يكن هذا التحول مجرد انتقال من البيت إلى مكان العمل، بل كان انتقالاً في شكل المسؤوليات وطريقة التعامل معها.
فالمرأة الإماراتية اليوم قد تكون أماً، وموظفة، وربّة بيت، وصاحبة مشروع، أو قيادية في مؤسسة، وقد تجمع أكثر من دور في الوقت نفسه. لكنها في كل هذه الأدوار تحمل شيئاً واحداً معها هو إحساسها بالمسؤولية.
الأم الإماراتية اليوم لا تختلف في جوهرها عن أم الأمس ربما تغير البيت، وتغيرت الأدوات، وأصبحت الحياة أسرع، لكن قلب الأم بقي هو نفسه. ما زالت تخاف على أبنائها، وتفرح لنجاحهم، وتفكر في مستقبلهم، وتحاول أن تمنحهم ما تستطيع من الحب والتربية والقيم.
وربّة البيت أيضاً لا ينبغي أن يُنظر إلى دورها باعتباره دوراً أقل من أي دور آخر؛ فالبيت ليس مكاناً للراحة فقط إنه المكان الذي تبدأ منه شخصية الإنسان ومن خلف أبواب البيوت هناك نساء يعملن كل يوم بصمت يربين أبناءهن ويحافظن على أسرهن ويصنعن الاستقرار الذي يحتاج إليه المجتمع قبل أي شيء آخر.
أما المرأة الموظفة فقد أثبتت أن النجاح لا يعني التخلي عن الأسرة، كما أن الاهتمام بالأسرة لا يعني الابتعاد عن الطموح. والتحدي الحقيقي بالنسبة لها ليس أن تختار بين دورين، وإنما أن تحاول أن تمنح كل دور حقه بما تستطيع.
وهنا تظهر واحدة من أجمل صفات المرأة الإماراتية هي قدرتها على التكيف.
لقد انتقلت من زمن كانت فيه الحياة تسير بإيقاع بسيط إلى زمن أصبحت فيه التكنولوجيا حاضرة في كل تفاصيل اليوم. تعلمت، وتطورت، ودخلت مجالات جديدة، وتعاملت مع عالم سريع التغير، من دون أن تفقد جذورها.
فالحداثة بالنسبة إليها لم تكن أن تنسى الماضي، وإنما أن تأخذ منه ما يجعل المستقبل أقوى.
وهذا هو الفرق بين امرأة تغيرت وامرأة تطورت.
التغيير قد يجعل الإنسان يبتعد عن ماضيه، أما التطور الحقيقي فيجعله يحمل أجمل ما في ماضيه معه إلى المستقبل.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه للمرأة الإماراتية في يومها ليس مجرد كلمات المديح، وإنما الاعتراف بأن ما وصلت إليه اليوم لم يبدأ من نقطة الصفر. خلف كل امرأة إماراتية ناجحة اليوم قصة أم أو جدة عرفت التعب، وقاومت الظروف، وربّت أبناءها، وحافظت على بيتها، وآمنت بأن القادم يمكن أن يكون أفضل.
إن المرأة الإماراتية لم تكن يوماً خارج قصة بناء هذا الوطن؛ كانت داخلها منذ البداية.
كانت في البيت حين كان البيت يحتاج إلى الصبر، وكانت في المجتمع حين احتاج إليها المجتمع، وهي اليوم في ميادين العلم والعمل والإدارة والإبداع وغيرها، لأنها لم تتخل عن دورها، بل وسّعت دائرة عطائها.
ولهذا فإن يوم المرأة الإماراتية ليس مناسبة للاحتفال بالمرأة لأنها وصلت فقط، بل مناسبة لتذكر الطريق الذي قطعته.
طريق بدأ بامرأة بسيطة تحمل مسؤوليات كبيرة، واستمر بفتاة تعلمت، وأم ربت، وموظفة اجتهدت، وربة بيت صنعت الاستقرار، ونساء اخترن أن يكن جزءاً من مستقبل وطنهن.
وفي النهاية، قد تتغير المدن، وتتغير المهن، وتتغير وسائل الحياة، لكن هناك أشياء لا تتغير: أم تحلم بمستقبل أفضل لأبنائها، وامرأة تعرف قيمة بيتها، وإنسانة تحمل في داخلها قدرة على الصبر والنهوض من جديد.
وهذه هي المرأة الإماراتية ليست مجرد صورة للنجاح في الحاضر، بل ذاكرة من الصبر في الماضي، وحضور في الحاضر، وأمل للمستقبل.
ولهذا، حين نحتفي بها، فإننا لا نحتفي بامرأة واحدة، بل نحتفي بكل امرأة إماراتية صنعت فرقاً في حياة أسرتها، وكل أم زرعت قيمة، وكل ربة بيت حفظت بيتاً، وكل موظفة أدت عملها بإخلاص، وكل امرأة اختارت أن تتقدم من دون أن تنسى من أين بدأت.
إنها حكاية امرأة، لكنها في الحقيقة حكاية وطن.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة