ودعت النرويج بوفاة هارالد الخامس ملكها المحبوب والذي عاش طفولته في المنفى بالولايات المتحدة أثناء الاحتلال النازي لوطنه، ورفض الزواج من عدد من نبيلات أوروبا ليتزوج حبّ طفولته، ويبدأ عصر تحديث الملكية في البلاد، رافضاً التخلي عن الحكم حتى اليوم الأخير في حياته.
وأعلن البلاط الملكي النرويجي، أنه توفي في المستشفى الوطني بالعاصمة أوسلو صباح الجمعة، في تمام الساعة 6:35 صباحاً.
وكان هارالد أسنّ ملوك أوروبا، ورغم أنه نجح في تحديث المؤسسة الملكية وحظي بشعبية واسعة، فإنه رفض السير على خطى غيره من الملوك المتقدمين في السن الذين تنازلوا عن العرش في الآونة الأخيرة. وبوفاته، يتولى نجله تلقائياً مقاليد الحكم تحت اسم الملك هاكون الثامن.
وعلى غرار باقي العائلات الملكية في أوروبا، يؤدي ملوك النرويج دوراً رمزياً إلى حد كبير؛ حيث يتمتعون بمكانة مرموقة في حين تستقر السلطة الفعلية في هذه الدولة الديمقراطية التي يبلغ عدد سكانها 5.5 مليون نسمة بين أيدي برلمان منتخب.
اعتلى هارالد العرش عقب وفاة والده الملك أولاف الخامس (المولود في بريطانيا) في يناير 1991، وشهدت فترة حكمه طفرة اقتصادية كبيرة مدفوعة بقطاعي النفط والغاز.
أول أمير نرويجي يولد في البلاد منذ 600 عام
وُلد هارالد عام 1937 في بلدة أسكر قرب أوسلو، ليكون أول أمير نرويجي يولد داخل البلاد منذ عهد الملك أولاف الرابع عام 1370. وعلى مدار القرون التالية، لم يكن للنرويج ملك مستقل حتى اختير جده، هاكون السابع، ملكاً عقب انحلال الاتحاد بين السويد والنرويج عام 1905.
هروب من النازية إلى الولايات المتحدة
كان هارالد في الثالثة من عمره عندما احتلت القوات النازية النرويج في بداية الحرب العالمية الثانية. ولتجنب وقوعهم في الأسر، فرت به والدته مع شقيقتيه، راغنهيلد وأستريد، إلى السويد أولاً، ثم استقلوا السفينة نحو الولايات المتحدة، في حين غادر والده وجده رفقة الحكومة النرويجية إلى المنفى في بريطانيا.
واكتسب الملك هاكون احتراماً كبيراً بين أبناء شعبه برفضه الاستجابة للمطالب الألمانية.
وخلال إقامتهم في الولايات المتحدة، كان أعضاء العائلة الملكية النرويجية يستضافون مراراً في البيت الأبيض.
وفي سن السادسة، أدى هارالد أولى مهامه الرسمية بتدشين طائرات حربية جديدة في قاعدة جوية نرويجية بكندا.
وعادت العائلة لتمتد في النرويج في يونيو 1945، بعد انتهاء الحرب. وتلقى هارالد تعليمه في المدارس العامة، ثم الكلية العسكرية النرويجية، وجامعة أكسفورد.
وعلى غرار والده، الذي كان بطلاً أولمبياً في الإبحار الشراعي عام 1928، عشق هارالد البحر والقوارب الشراعية؛ حيث مثّل النرويج في عدة دورات أولمبية، وقاد يخته للفوز بالميدالية الذهبية في بطولة العالم عام 1987.
الزواج من صديقة دراسته سونيا هارالدسن
في شبابه، حُثَّ هارالد على اختيار عروس من بين ألمع أميرات أوروبا، إلا أنه امتنع لسنوات تسع عن الزواج من أسر نبيلة، متمسكاً برغبته حتى حصل أخيرة على موافقة والده للزواج من صديقة دراسته، سونيا هارالدسن، وهي ابنة رجل أعمال ناجح.
وكان الملك أولاف يخشى أن يؤدي هذا الزواج إلى إضعاف العرش الملكي الحديث، غير أن الشعب النرويجي استقبل عقد القران في 29 أغسطس 1968 بابتهاج عارم، واحتضن سونيا لاحقاً كملكة للبلاد. وأنجب الزوجان طفلين: هاكون وشقيقته الكبرى مأرثا لويز.
وفي عام 1990، عُدِّل الدستور النرويجي ليسمح للابن البكر بغض النظر عن الجنس بالأولوية في ولاية العرش. بيد أن التعديل لم يُطبق بأثر رجعي، ما جعل هاكون يحتفظ بأسبقيته على شقيقته.
الكل من أجل النرويج
وعندما اعتلى هارالد العرش في 21 يناير 1991، اتخذ الشعار ذاته الذي رفعه والده وجده: «الكل من أجل النرويج». وقضى السنوات التالية يسعى لتحديث المؤسسة الملكية.
وقال ذات مرة: «لقد أثبتت لي التجربة أن الملكية تجسد مؤسسة قوية، ويعود الفضل في ذلك بالدرجة الأولى إلى أن والدي وجدي أنجزا معظم الأمور بالشكل الصحيح. هذا يضعني تحت الضغط، لكني أتعامل معه كتحدٍّ».
ونال هارالد إشادة واسعة في البلاد عقب إلقائه كلمة مؤثرة خلال تأبين ضحايا الهجوم الذي شنّه المتطرف اليميني أندرس بهرينغ بريفيك عام 2011، وأسفر عن مقتل 77 شخصاً في تفجير وإطلاق نار.
وقال الملك حينها: «لا أزال على يقين بأن الإيمان بالحرية أقوى من الخوف. ولا أزال مؤمناً بالديمقراطية والمجتمع النرويجي المفتوح، وبقدرتنا على العيش بحرية وأمان في بلدنا».
وفي عام 2016، ألقى هارالد خطبة غير متوقعة وعاطفية دعماً لمساواة اللاجئين والتسامح الديني، قائلاً: إن العديد من النرويجيين هاجروا من أفغانستان وباكستان وبولندا وغيرها، وهم «يؤمنون بالله».
وأشادت هذه الكلمة بالتنوع داخل الدولة السكاندينابية، وحظيت بملايين المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي.
شائعات قليلة
وعلى مدار فترة حكمه، لم تشهد العائلة الملكية سوى القدر القليل من الشائعات مقارنة بنظيراتها في السويد وبريطانيا، رغم أن ابنة هارالد، مارثا لويز، تخطت واجباتها الملكية بعدما أثارت الجدل بادعائها القدرة على التحدث مع الملائكة، وإعلان خطبتها من رجل أمريكي يعرف نفسه بأنه «شامان».
لكن العائلة الملكية واجهت تدقيقاً إعلامياً غير مريح في أوائل عام 2026، حيث واجهت زوجة وليّ العهد ميت ماريت، انتقادات متجددة بشأن صلاتها بالمجرم الأمريكي المدان جيفري إبستين. وأثار ذلك تساؤلات حول صواب قراراتها، رغم عدم توجيه أي اتهامات مباشرة لها بالقيام بأي سلوك خاطئ. وقدمت ميت ماريت اعتذاراً عن الموقف الذي وضعت فيه العائلة، ضمن اعتذار أوسع لكل من «خابت آمالهم بها».
وفي الفترة ذاتها تقريباً، دين نجلها الأكبر، ماريوس بورغ هويبي، بتهمة اعتداء في قضية حظيت باهتمام إعلامي واسع، وصدر بحقه حكم بالسجن لأربع سنوات. ويُذكر أن هويبي، وهو ابن ميت ماريت من علاقة سابقة قبل لقائها بهاكون، لا يحمل أي ألقاب ملكية ولا يمارس أي مهام رسمية.
وفي يناير 2024، وعقب تنازل ملكة الدنمارك مارغريت، وهي ابنة عمومته من الدرجة الثانية، عن العرش، أكد هارالد تمسكه بالقسم الذي أداه عند اعتلائه العرش، قائلاً: «القسم يتواصل مدى الحياة».
ومع ذلك، أُدخل المستشفى مرتين خلال رحلات خارجية بعد ذلك؛ إحداهما أثناء عطلة في ماليزيا عام 2024 حيث زُرع له جهاز لتنظيم ضربات القلب، والأخرى إثر إصابته بعدوى جلدية أثناء عطلة في جزيرة تينيريفي الإسبانية في فبراير 2026.