يعيش الشعب الإيراني واقعاً إنسانياً بالغ القسوة تحت وطأة نظام متداعٍ، يكثف سياسات البطش والترهيب لفرض سيطرته المطلقة على مقاليد الأمور، متجاهلاً الأزمات الحياتية المتفاقمة التي تثقل كاهل المواطنين يومياً، ما خلق بيئة من الخوف والقمع المستمر التي تلقي بظلالها الثقيلة على كل تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع.
وتتجلّى هذه المأساة بأبشع صورها في التصاعد المرعب لوتيرة الإعدامات التي وثقتها التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات دولية، مثل منظمة «حقوق الإنسان في إيران»، حيث أقدمت السلطات على إعدام أكثر من 500 شخص منذ مطلع العام، في حملة دموية ممنهجة لترهيب الشارع وخنق أيّ صوت معارض، تسارعت بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، وسط مخاوف جدية من تحوّل هذه الممارسات إلى نمط يومي دائم.
وقالت المنظمة، ومقرّها النرويج، إن 511 شخصاً، على الأقل، أُعدموا منذ بداية عام 2026، 29 منهم على خلفية الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي شهدتها البلاد في يناير/ كانون الثاني.
ومن بين الذين أعدموا، 16 امرأة، و13 سجيناً سياسياً، على الأقلّ، مرتبطين بجماعات معارضة محظورة، بحسب المصدر نفسه.
ويقول ناشطون إن السلطات الإيرانية تلجأ إلى عقوبة الإعدام كوسيلة للترهيب، ازدادت حدّة بعد الاحتجاجات والحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية، في 28 فبراير.
أحكام بهدف داخلي
وقال مدير المنظمة محمود أمير مقدم، في تصريحات صحفية، إن «جميع أحكام الإعدام، بغضّ النظر عن التهم، لها هدف داخلي واضح، يتمثّل في بثّ الذعر ومنع اندلاع احتجاجات جديدة»، مضيفاً «نشعر بقلق بالغ إزاء تفاقُم هذا المنحى خلال الأشهر المقبلة».
ومنذ استئناف تنفيذ أحكام الإعدام خلال فترة الحرب، في 19 مارس، أُعدم شخصان على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2022 تحت شعار «امرأة، حياة، حرية».
أبعاد هائلة
وكان ترامب كتب في منشور على منصّته «تروث سوشال»، الثلاثاء، أن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية المتداعية لا تدفع رواتب جزء كبير من جيشها، في حين تقتل المتظاهرين في الوقت نفسه، حتى عندما لا يتظاهرون». وأضاف «هذه أزمة إنسانية ذات أبعاد هائلة، يجب أن تتوقف فوراً».
ورحّب أمير مقدم بتصريحات ترامب، معتبرا أن «زيادة الاهتمام الدولي ترفع الكلفة السياسية على الجمهورية الإسلامية». لكنه رأى أن تركيز المجتمع الدولي خلال فترة الحرب على ملف إعادة فتح مضيق هرمز ومسار النزاع، منح السلطات الإيرانية «هامشاً أوسع لتنفيذ إعدامات في حقّ محتجين وسجناء سياسيين، وآخرين محكوم عليهم بالإعدام».
2159 خلال 2025
وأكدت منظمة «حقوق الإنسان في إيران»، أن هناك مئات المحتجين الآخرين الذين صدرت في حقّهم أحكام بالإعدام، أو يواجهون تهماً قد تقود إلى هذه العقوبة، بينهم أكثر من 70 شخصاً في مدينة أصفهان التي شهدت احتجاجات واسعة في يناير.
وبحسب منظمة العفو الدولية، نفّذت إيران ما لا يقل عن 2159 عملية إعدام خلال عام 2025، فيما يبدو أن السلطات في طور تكثيف تنفيذ الأحكام في حقّ المحتجين وسجناء الرأي.
وكانت أكثر من 30 دولة، من بينها فرنسا وبريطانيا وكندا، دانت هذا الشهر، لجوء إيران إلى عقوبة الإعدام، معتبرة أنها تنفّذ أحكاماً ضدّ محتجين بهدف «إسكات المعارضة».
وأعلنت وسائل إعلام إيرانية رسمية، هذا الأسبوع، إعدام مجيد آدينه، الذي أوقف على خلفية احتجاجات يناير/ كانون الثاني 2026 في مدينة كرج، قرب طهران، فيما أُعدم عدد آخر من الأشخاص، خلال الأيام القليلة الماضية، بعد إدانتهم بقضايا، بينها القتل والسطو المسلح.
وتعمد السلطة الإيرانية إلى استغلال النزاعات والتوترات الإقليمية، والانشغال الدولي بملفات مضيق هرمز، كغطاء سياسي لتمرير مجازرها بحق أصحاب الرأي، والمدافعين عن الكرامة الإنسانية، مستفيدة من تشتت الانتباه العالمي لتوسيع هامش الإفلات من العقاب، وتنفيذ مزيد من الإعدامات، السرية والعلنية، بعيداً عن الرقابة الحقوقية الفاعلة.