لا شيء يمكن أن يغريك لتصفح «معجم لغوي»، عدا عن البحث عن معنى كلمة أشكل عليك تفسيرها في بحث أو مقال أو مرت بك في قصيدة وهكذا، وذلك يعود في المقام الأول لطبيعة المحتوى المتخصص والجاف، فالكلمات مصفوفة ومرتبة وكل كلمة لها مقتطفات من شواهد من القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة أو أبيات شعرية، لذا من هذا المنظور العام يركن المعجم على الرف دائماً كأداة مرجعية فقط، وتكاد لا تسمع أن أحدهم قال لك لقد كنت أقرأ المعجم الفلاني، فهنا تصيبك الدهشة ويخطر ببالك أنه أراد القول: كنت أبحث في العجم الفلاني، فالمعجم للبحث وليس للقراءة.
لكن ولأسباب تتعلق بالعمل، وجدت نفسي أبحر أسبوعياً في بحر العربية اللغوي، والغريب هنا أنك تستكشف متعة من نوع آخر في قراءة المعاجم اللغوية وهي «متعة الاستكشاف»، ومن الطبيعي أنك لن تقرأ المعجم من أوله إلى آخره، ولكن تدخل إلى هذا العالم من باب كلمة معينة، فتجد نفسك أمام عالم ساحر من المعاني والمرادفات والاشتقاقات، تتتبع فيه الكلمة في دورب لا حصر لها.
بدأت بكلمة «حَوَل»، أبحث عن أصلها، فإذا بي أمام شجرة متفرعة من المعاني، فوجدت مثلاً الحول في العين، والحول في الزمن، والمحتال في الخديعة، والحيلة في الدهاء، والاحتيال في الطمع، تخيل جذر كلمة واحدة تتولد منه معان ممتدة كشجرة تتفرع في الماء والتراب، وكل فرع يحمل تاريخاً وحكاية، كيف ولد ومتى ازدهر، ومتى تراجع.
والأكثر دهشة عندما تدرك حقاً أن بعض كلماتنا العامية التي ننطق بها اليوم في السوق والشارع ونظنها حديثة أو ركيكة، لها أصول ممتدة متجذرة في التاريخ اللغوي،، لها جذر صرفي ومادة لغوية موثقة، وهذا الاستكشاف وحده يسقط وهم الفصل بين «الفصيح» و«العامي»، ويكشف لك أن كثيراً من عاميتنا ليست انحطاطاً للغة اليوم بقدر ما هي امتداد طبيعي لدورة حياة الكلمات.
أما الغريب في أمر المعجم، هو ما تخرج به عقب جولتك البحثية من قناعة وإدراك حقيقي بأن بعض الكلمات تولد ويتداولها الناس، ثم تشيخ مع الزمن وتضيق دائرتها، ثم تتراجع وتندثر، وعندما تعود لهذه الكلمات المندثرة في لغتنا العربية اليوم، تؤمن بأنها فعلاً تركت في التراث اللغوي أثراً تعبيرياً لا يعوض، من دقة في الوصف أو التشبيه، أو حتى الربط الاستدلالي بصرياً أو ذهنياً.
في المعاجم متعة التنقيب عن كنز يلمع بالمعنى، متعة من نوع آخر تكشف لك أن اللغة العربية كلما فتشت في أعماقها، أخرجت لك من ترابها قصيدة.
