قبل عقدين من الزمن كان القلق الثقافي يدور حول سؤال هل يقرأ الناس وكم يقرؤون؟، وبعد أن أغرقتنا فيضانات المحتوى المصمم لجذب الانتباه والاستهلاك ثم النسيان خلال ثوانٍ تغير السؤال ليصبح هل يقرأ الناس المحتوى الجيد من بين المليارات؟
وفي الحقيقة يجب أن ندرك بأن جيلين كاملين اعتمدا على منصات المحتوى السريع كمصدر أساسي للمعرفة والثقافة والوعي بالعالم ظنّا بأنها تغنيهم عن قراءة كتب أو التبحّر في نظريات كبرى ومعلومات كانت تحتاج إلى سنوات طويلة لفهمها، وهذا يجبرنا على الانتباه إلى أن تلك المنصات شكلت وعي الجيلين ودربت عقولهم على الحصول على أكبر قدر من معلومات رغم أنها تتلاشى في أقصر وقت ممكن.
إن الإنسان العادي لا يستطيع الاحتفاظ بكل المعلومات والمحتوى السريع مقارنة بما يستطيع تذكّره من القراءة المعمقة أو حتى مشاهدة محتوى واحد طويل بسبب حاجة الدماغ البشري إلى وقت كاف لمعالجة المعلومات وربطها بما يعرفه ليفهم. ولأن الدماغ يتكيف مع ما يتعرض له باستمرار، فهو يتمرن اليوم ومن خلال مفهوم المحتوى السريع وشديد التنوع على عدم التركيز لفترة طويلة، فيتحول إلى شظايا صغيرة تنتقل بسرعة من موضوع لآخر فلا يعود بإمكان الشخص قراءة تقرير من عشرين صفحة أو كتابة بحث.
يتحدث الباحثون عن ظاهرة «تجزئة الانتباه»، فبدلاً من أن يعمل الانتباه ككتلة واحدة مركزة يتحول إلى شظايا صغيرة تنتقل بسرعة من موضوع لآخر، وهذا النمط قد يكون مفيداً في بعض السياقات لكنه يتحول إلى كارثة عند الحاجة للقيام بعمل أو مهمة تتطلب التركيز.
ومن الإنصاف القول بأن التكنولوجيا ليست المسؤولة عن ذلك، لكن المسؤولية تقع على ممارسة مشاهدة المحتوى السريع والثقة بما يقدمه من انطباعات سطحية.
وقد يبدو انتشار تلخيص الكتب والمعلومات إيجابياً في ظاهره للأشخاص الذين لا يملكون وقتاً للقراءة، لكنه يحرمهم من المرور بعملية التفكير التي مر بها المؤلف ولا يربطهم بتجاربهم الشخصية ليفهموا.
والحل ليس في رفض ما يحدث ولكن في تشكيله، فالمحتوى القصير موجود وسيبقى وسينمو، ولا ينبغي أن يختفي ولكن علينا أن نضعه في مكانه الصحيح ليكون بوابة بداية وليس نهاية والشرارة التي تدفعنا لقراءة كتاب وليس بديلاً عن الكتاب. والمسؤولية هنا تتوزع بين الفرد المسؤول عن وعيه وخياراته والأسرة المسؤولة عن بيئتها الثقافية والمدرسة عن تأسيس التفكير النقدي والإعلام المسؤول عن تقديم بديل حقيقي، وصولاً إلى مقاومة المحتوى المبسط وعدم الاستسلام للسطحية.
