الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مريم الهاشمي: الكتاب وعي وحياة ونجاة

1 سبتمبر 2026 01:08 صباحًا | آخر تحديث: 1 سبتمبر 01:21 2026
دقائق القراءة - 6
شارك
share
مريم الهاشمي: الكتاب وعي وحياة ونجاة
icon الخلاصة icon
مريم الهاشمي تؤكد أن القراءة وعي ونجاة تجمع المتعة والمعرفة، والرواية وعاء للذاكرة، ومبادرات الإمارات تعززها، والرقمي مكمل للورقي
ترى الدكتورة مريم الهاشمي في القراءة فعلاً عميقاً يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويمنحه القدرة على الفهم والاحتمال والنجاة الرمزية في عالم يسوده الصخب الرقمي والتوتر، تتحدث الهاشمي عن علاقتها الشخصية بالكتاب، وعن التداخل بين المتعة والمعرفة، ورؤيتها للمشهد القرائي في الإمارات ومسؤولية الأسرة.
مريم الهاشمي: الكتاب وعي وحياة ونجاة
* لنبدأ من البدايات... كيف تشكلت صلتك الأولى بالكتاب، ومتى أدركت أن القراءة تتجاوز كونها عادة يومية لتكون أسلوب حياة يمنحك المعنى؟
القراءة بالنسبة إلي لم تكن يوماً عادة فقط، وإن بدت أحياناً بهذا الشكل، بقدر ما كانت فعلاً عميقاً يصوغ حياة الإنسان من الداخل. هي ذلك الفضاء الذي تتعانق فيه المعرفة مع المتعة، فيجد القارئ ما يغذي عقله وما يواسي روحه في آنٍ واحد، فلا يكتفي بتراكم المعلومات بل يعيد تشكيل وعيه ويقترب أكثر من ذاته، ويصنع لنفسه رصيداً داخلياً لا يراه أحد، لكنه ينعكس على كل شيء فيه، في عالم يزداد قسوة وخذلاناً، تظل القراءة أحد أنبل المخارج الذاتية من المآزق، لأنها تمنح الإنسان قدرة على الفهم حين يلتبس المعنى، وعلى الاحتمال حين يشتد العبء، وعلى النجاة الرمزية حين تضيق السبل، لذلك أعدّها أسلوب حياة وصيغة راقية للدفاع عن الإنسان في مواجهة التآكل الداخلي والضجيج الخارجي.

تجربة

* حين ننظر إلى مسيرتك مع القراءة، يبدو من الصعب اختزال التجربة في كتاب واحد، ومع ذلك: هل كانت هناك محطات قرائية فارقة لديك؟.
من الصعب جداً أن أحصر الكتب التي أثرت في، لأنها كثيرة ومتنوعة المشارب، تمتد بين الديني والأدبي والفلسفي والفكري والتاريخي، وأنا أؤمن بأن ثراء القارئ الحقيقي يتشكل من هذا التنوع، فكل كتاب يضيف لبنة جديدة في بناء الوعي، وكل تجربة قراءة تترك أثراً ما، صغيراً كان أو كبيراً، في طريقة فهمنا للعالم ولأنفسنا، لذلك القراءة ليست جمعاً للعناوين بقدر ما هي تراكم داخلي هادئ يعيد تشكيل الحس والفكر والرؤية.
ولكن يبقى القرآن الكريم في قلب كل قراءة، فهو نص سماوي مفتوح على التأمل الدائم. كلما أعدنا قراءته، وحاولنا الاقتراب من معانيه بوعي وصبر، انكشفت لنا آفاق جديدة من الفهم والسكينة والبصيرة، وخصوصاً في هذا الزمن حيث تتكاثر الأسئلة والاضطرابات، لذا تبدو العودة إليه حاجة معرفية وروحية معاً، لأنه يهب الإنسان قدراً من الطمأنينة واتساع الرؤية نحن في أمس الحاجة إليهما.
* في حديثك تربطين دائماً بين المعرفة والمتعة في فعل القراءة، إلى أي حد ترين أن الفصل بين «القراءة للمعرفة» و«القراءة للمتعة» مجرد تقسيم اصطلاحي؟ وكيف يعمل الشغف بالنص على تحويل اللذة القرائية إلى تراكم حقيقي في الوعي والرؤية؟.
أعتقد أن القراءة لا تصنع معرفة حقيقية من دون متعة، كما أن المتعة القرائية ليست، في عمقها، بعيدة عن المعرفة. حين يقرأ الإنسان بشغف، لا يكتسب لذة النص فقط، بل يراكم في الوقت ذاته خبرة وفهماً ورؤية، وحتى القراءة التي يقصد منها القارئ المتعة وحدها لا تخلو من إضافة معرفية، وإن كانت هذه الإضافة تتفاوت بحسب القارئ والنص والسياق. اليوم أصبح القارئ أكثر وعياً وحذقًا، يعرف كيف يختار بين المسارات الكتابية المختلفة، وما الذي يناسب حاجته إلى الفكر أو الجمال أو التأمل، ولعل هذا التعدد في القراء وطرائق تلقيهم للنصوص هو ما يمنح الفعل الكتابي استمراره، ويجعل الكتابة قادرة على البقاء والتجدد.
* يدور جدل مستمر حول جدوى قراءة الروايات، بين من يراها ترفيهاً ثقافياً ومن يراها وعاء للذاكرة والوعي الجمعي. كيف تنظرين أنتِ إلى الرواية اليوم؟.
في الحقيقة أنا لا أرى الرواية ترفاً ولا أحبذ أختزالها في مجرد مساحة للمتعة، هذا الرأي يغفل طبيعتها العميقة ووظيفتها الثقافية والإنسانية، فالرواية من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على احتضان التاريخ وإعادة إحيائه، واستحضار الشخصيات والأزمنة والأمكنة في صورة تجعلها قابلة للتأمل من جديد، فهي لا تنقل الواقع كما هو فحسب، بل تعيد تشكيله، وتكشف طبقاته الخفية، وتمنحنا قدرة على فهم المجتمع من داخله بما فيه من تحولات وأزمات وأحلام وتناقضات.
كما أن الرواية تعد من أكثر الأنواع الأدبية أهلية لتخليد المكان الذي تنتمي إليه، لأنها تحفظ جغرافيته بوصفها حياة وذاكرة وهوية، ولهذا أصبحت وعاء للذاكرة وللتجربة الإنسانية وللتأمل في الحاضر واستشراف المستقبل، حتى قيل بحق إنها «الديوان الجديد للأمم»، في إشارة إلى قدرتها على حفظ الوعي الجمعي وصياغة صورة الإنسان في علاقته بالعالم.

أفق

* إذا انتقلنا إلى البعد الوجداني في القراءة، ما الدور الذي يلعبه الخيال والعاطفة في تحويل النص من مادة معرفية إلى تجربة وجودية يعيشها القارئ؟ وكيف يمكن لهذا التورط الشعوري أن يوسع أفق فهمه لنفسه وللعالم؟.
المشاعر والخيال هما ما يمنحان القراءة حياتها الداخلية، ويحوّلانها من فعل ذهني محض إلى تجربة وجودية كاملة. حين ينخرط القارئ وجدانياً في عالم النص، يصبح أكثر قدرة على رؤية نفسه والآخرين والأحداث من زوايا متعددة، فيتوسّع أفقه ويتعمق حسّه، وتتجاوز القراءة حدود الورق إلى الحياة ذاتها. من هنا تنشأ المتعة القرائية الأعمق: متعة أن نعيد اكتشاف ذواتنا والعالم عبر بوابة الخيال والشعور.
* حين تتأملين المشهد الثقافي في الإمارات اليوم، كيف تقرئين حالة «القراءة من أجل المتعة» تحديداً؟
إذا تأملنا المشهد الثقافي في الإمارات، سنجد أن المبادرات القرائية ليست فعاليات متفرقة، بل جزء من بنية ثقافية متكاملة تتخذ من القراءة منطلقاً أول لأي مشروع معرفي جاد، مبادرات مثل «تحدي القراءة العربي»، و«شهر القراءة»، و«القراءة للمتعة»، لا تعمل بمعزل عن الجوائز الكبرى أو برامج الدعم الثقافي والبحثي، بل تتجاور جميعها ضمن رؤية واحدة تؤمن بأن القراءة هي المدخل الأوسع لبناء الإنسان وصياغة الوعي العام.
من هنا نفهم الحضور القوي للجوائز والمؤسسات الثقافية في الدولة: من جائزة الشيخ زايد للكتاب، إلى الجائزة العالمية للرواية العربية، إلى جائزة العويس الثقافية، مرورا بجوائز معارض الكتب، ومبادرات وزارة الثقافة، ومركز أبوظبي للغة العربية، ودائرة الثقافة في الشارقة، وبيت الفلسفة وغيرها من المؤسسات التي تدعم التأليف والبحث والترجمة والنشر. ما يلفتني أن هذا الزخم شجّع الأفراد أيضاً على تأسيس مبادرات وجوائز داعمة للقراءة والكتابة، ما يؤكد أن المشروع الثقافي الحقيقي لا ينجح إلا حين يتحول إلى فعل تشاركي تتقاطع فيه جهود الدولة مع طاقات المجتمع.
* في هذا السياق، برأيك إلى أي مدى أسهمت هذه المبادرات في إعادة إدماج الكتاب في الحياة اليومية للأطفال واليافعين؟.
أرى أن مثل هذه المبادرات أعادت تقديم الكتاب للأطفال واليافعين بوصفه شريكًا في التكوين الشخصي والخيال والحلم، بعيدا عن فكرة الواجب المدرسي، وحين يرتبط القارئ الصغير بتجربة تنافسية أو تفاعلية أو احتفالية بالقراءة، تتكون لديه علاقة أكثر حميمية مع الكتاب، تتحول مع الوقت إلى عادة مستقرة وطريقة في النظر إلى الحياة، وهذا ما يميز هذه البرامج عن القراءة الإلزامية المرتبطة بالمناهج فقط.

تغيرات

* التحول الرقمي غيّر شكل علاقتنا بالكتاب، كيف تقيّمين أثر القراءة الرقمية في متعة القراءة تحديداً؟ على المستوى الشعوري، ماذا يتغير حين تمسك كتاباً ورقياً بدلاً من شاشة؟.
الكتابة والقراءة الرقميتان ليستا ظاهرة عابرة، بل جزء من التحول الإنساني الطبيعي في أدوات المعرفة وأشكال التعبير. لا أرى الرقمي في مواجهة مع الكتاب الورقي، بل أعدّه نمطاً جديداً أضاف إلى حياة الكتاب إمكانات أوسع في الانتشار والوصول والتفاعل، فالعلاقة بينهما، في تقديري، علاقة تكامل لا إلغاء.
الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بحضوره، وتُظهر بيانات من أسواق رئيسية استمرار تماسكه، في الوقت الذي يواصل فيه الرقمي أداء دور مهم في تسريع الوصول إلى المعرفة وتوسيع جمهورها، وقد وفّر كثيراً من الوقت والجهد، وقرّب الكتاب من قارئه، وجعل المنصات الذكية جزءاً من خدمة ثقافية وإنسانية لا يمكن إنكار أثرها.
على المستوى الشعوري، يظل للكتاب الورقي خصوصيته، فملمس الورق ورائحته وحضوره الفيزيقي عناصر تضيف بعداً حسيًا لتجربة القراءة، لكني أؤمن في النهاية بأن التكنولوجيا ليست تهديداً للحياة الثقافية، بل يمكن أن تكون إحدى دعائمها الكبرى إذا أحسن الإنسان توظيفها.
* يشكو كثيرون من أن وسائل التواصل الاجتماعي أضعفت القراءة العميقة وكرست ثقافة «اللقطات السريعة». كيف تنظرين إلى هذا الحكم؟ وهل يمكن لهذه المنصات، إذا أحسن استخدامها، أن تكون بوابة أولى تقود القارئ نحو النصوص الأعمق والكتب الأوسع أفقاً؟.
أرى أن منصات التواصل الاجتماعي لا تهدد القراءة العميقة بذاتها، بل تضع القارئ أمام اختبار حقيقي يكشف مدى جديته في طلب المعرفة. القارئ الحقيقي لا يكتفي بمصدر واحد، ولا يرضى بالمعلومة السريعة بوصفها بديلاً عن الفهم، بل يظل مدفوعاً بفضوله المعرفي إلى التوسع والمراجعة والمقارنة، أما القارئ الكسول فيجد في هذه المنصات ما يرسّخ اكتفاءه بالسطح، لا لأن المنصات تفرض ذلك وحدها، بل لأن استعداده المعرفي من الأصل محدود.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة