حول قضايا البودكاست وأبعاده الثقافية ومستقبله في المنطقة، كان لنا، هذا الحوار مع الكاتب والناشر الإماراتي جمال الشحي، أحد المتابعين والفاعلين في فضاء البودكاست العربي.
بداية يرى الشحي أن البودكاست هو امتداد طبيعي لمسيرة الإعلام وتحولاته، لكنه في الوقت ذاته يمثل وجهاً جديداً بالكامل لهذا التطور، هو «الإذاعة الجديدة» إن جاز التعبير، إذاعة فردية يمكن لكل شخص أن يكون صانعها، ونحن أمام وسيلة تعيد تعريف الممارسة الإعلامية، لأنها تتيح لأي شخص يمتلك أفكاراً أو رؤى أن يعبر عنها دون تعقيدات البث التقليدي، يكفي أن تملك ميكروفوناً ومحتوى جيداً وحساباً على منصات التواصل حتى تبدأ. فسر نجاح البودكاست في بساطته، فهو لا يحتاج إلى تحضيرات معقّدة ولا إلى فرق إنتاج ضخمة، لذلك أصبح وسيلة جديدة للإعلام، وتفتح الباب أمام الأفراد لصناعة المحتوى.
هل أسهمت هذه البساطة في بناء جمهور جديد أو نوع من «الديمقراطية الثقافية» في الإعلام؟
تماماً، اليوم المستمع لم يعد ينتظر برامج محددة أو يخضع لجدول بث تفرضه المؤسسات الإعلامية، فهو الذي يختار ماذا يسمع ومتى، وهذا التحول غير علاقة الجمهور بالمحتوى وأعاد تعريف مفهوم المتلقي، فأصبح المستمع عنصراً فاعلاً ومشاركاً في تحديد اتجاهات المحتوى.
* كيف تقيم حضور البودكاست في المشهد الثقافي العربي تحديداً؟ هل بات له تأثير حقيقي؟
أصبح البودكاست اليوم جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي العربي، هناك برامج متخصصة في الأدب، وأخرى في الشعر، وثالثة في التاريخ والفلسفة وغيرها، وكثير من هذه البرامج أسهمت في إعادة الجمهور إلى القراءة والمعرفة بطريقة غير مباشرة.
لاحظ أن الثقافة لم تعد محصورة في الكتب فقط، والبودكاست قدم بعداً تفاعلياً جديداً، أتاح للثقافة أن تصل إلى فئات ربما لم تكن لها صلة من قبل بالكتب أو القراءة، وبات كثير من الناس يستمع إلى بودكاست ثقافي في سيارته أو أثناء التنقل، ويحصل على متعة ومعرفة في آن.
فجوة
* هل يمكن القول إن البودكاست سد فجوة بين الأجيال الثقافية في العالم العربي؟
هذا وصف دقيق جداً، بالفعل، هناك فجوة كانت بين الأجيال، خصوصاً مع تراجع القراءة الورقية، وهنا جاء البودكاست ليعيد حضور المعرفة، والجيل الجديد لا يذهب إلى المكتبة، لكنه يستمع إلى حلقة بودكاست عن المتنبي أو ابن خلدون ويستمتع بذلك، وهنا ميزة أن البودكاست أعاد تقديم التراث والثقافة بأسلوب حديث ومحبب، وهنا كانت لي تجربة شخصية في قناتي على اليوتيوب، حيث قمت بعمل حوار مع شخصيات عربية تراثية مولدة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، لاقت استحسان كثير من الجمهور، كما أن بعض برامج البودكاست ساهمت في ترويج الكتاب العربي من خلال الحوارات والمراجعات.
* ما أكثر الموضوعات الثقافية المناسبة للتناول في البودكاست العربي اليوم؟
أغلى ما نملكه نحن العرب هو تراثنا الثقافي والمعرفي، هذا التراث هو كنز لم يستثمر بعد كما يجب، لدينا أدب وفكر وتاريخ وشخصيات ملهمة يمكن أن تتحوّل إلى محتوى بودكاستي رائع، البودكاست يتيح أن نحكي القصص بطريقتنا، أن نعيد تقديم الرموز والأحداث التاريخية بروح العصر.
لقد تابعت مؤخراً بودكاست يتناول تاريخ الأندلس من منظور حضاري وثقافي، فتح لي آفاقاً جديدة لفهم التاريخ، وهنا أرى أن البودكاست يقوم بدور مزدوج، يحافظ على الذاكرة التراثية الأصيلة، وينقلها للأجيال القادمة بروح معاصرة.
وصاية
* هناك من يرى أن البودكاست في العالم العربي بحاجة إلى «نقد» من نوع جديد، كما نملك نقاداً للأدب والفن... فما رأيكم؟
يجب أن نفهم الطبيعة الجديدة للمحتوى المعرفي، لا نريد أن نعيد «وصاية النقد الكلاسيكي» على الإعلام الجديد، الجمهور اليوم يمتلك الوعي الكافي لتمييز الجيد من الرديء، التجارب الجيدة تفرض نفسها بطبيعتها، والتجارب الضعيفة تختفي سريعاً.
لكن إذا كنا نتحدث عن «نقد المحتوى»، فهنا يأتي دور العلماء والباحثين والمختصين، أما النقد التقني والإنتاجي، فقد أصبح اليوم مجالاً لذكاء اصطناعي يمكنه تحليل الاتجاهات وتقديم تقييمات علمية دقيقة، شخصياً، استخدمت الذكاء الاصطناعي لمقارنة المشهد البودكاستي العربي بنظيره الغربي، وكانت نتائجه مدهشة، مبنية على بيانات وإحصاءات لا بأس بها.
* هذا يقودنا إلى سؤال حول دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تطوير البودكاست نفسه، كيف ترون هذا التداخل؟
الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من حياتنا الثقافية، وفي تجربتي الأخيرة، التي استخدمت فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي لإحياء شخصيات تاريخية وثقافية في لقاءات افتراضية، التقنية منحت لي فرصة ذهبية، تخيل أن تجري حواراً مع طه حسين أو ابن سينا، وهذا أمر لولا تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي لبقي حلماً يراودنا.
الجمهور يبحث عن الجديد والمختلف، ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمنحنا وسائل جديدة للتعبير ولتعليم الأجيال بأسلوب تفاعلي فيه متعة وفائدة معاً، نحن نعيش لحظة يمكن فيها إعادة تعريف الثقافة عبر التكنولوجيا.
* هل ترى أن البودكاست أتاح فرصاً جديدة للمبدعين العرب؟
نعم، وهو أحد الجوانب الأجمل فيه، فكم من مبدع كان بعيداً عن الأضواء وجد في البودكاست نافذته الأولى، هذه الوسيلة منحت فرصة الظهور للكثيرين، حتى ولو كان أحياناً الضيف مغموراً لكنه مثقف وصاحب تجربة ثرية.
كذلك، البودكاست جعل من المحاور نفسه شخصية ثقافية جديدة، اليوم لدينا مئات المحاورين والمقدمين الذين يصنعون مساحة حوار في الإمارات والعالم العربي، لذا يمكن اعتبارها حركة ثقافية متكاملة، تنتج المعرفة وتوثقها رقمياً وهي متاحة للجميع.
* ولكن في المقابل، ما أبرز التحديات أو نقاط الضعف التي يعانيها البودكاست العربي؟
أكبر التحديات برأيي تكمن في ضعف مهارات الحوار لدى بعض المقدمين، كثير ممن يدخلون هذا العالم لا يملكون أساسيات فن الحوار، السؤال الجيد فن، والاستخراج الذكي للمعلومة موهبة تحتاج إلى تدريب. أحياناً يكون الضيف غنياً بالمعرفة، لكن المحاور لا يملك الأدوات لإخراج تلك المعرفة إلى السطح.
هنا مشكلتنا الحقيقية وهي مشكلة مهنية وليست تقنية، كثير من البودكاستات المحلية تعاني هذا الخلل، لذلك أنصح كل من ينوي خوض هذا المجال أن يبدأ بالتدرب على فنون إدارة الحوار قبل أن يطلق برنامجه.
* هل ترون أن هذه الفجوة في مهارات الحوار هي ما يحدّ من نضج التجربة الإماراتية محلياً؟
إلى حد كبير نعم، التقنية متوفرة، والمواهب موجودة، والبيئة الثقافية في الإمارات خصبة ومتنوعة، لكن بعض المحاورين يحتاجون إلى «ثقافة المهنة» نفسها، فليس كل قارئ أو إعلامي يمكن أن يكون محاوراً ناجحاً.
حين يتقن المحاور أصول الحوار، لن يتوقف النجاح عند المحلّي، لأنه يملك حينها ما يؤهله للتواصل مع العالم، الإمارات لديها كل المقومات لتكون رائدة إقليمياً في مجال البودكاست العربي، فقط نحتاج إلى المزيد من الوعي المهني والتدريب الحقيقي.
بلا حدود
* كيف يمكن، برأيكم، أن يسهم البودكاست العربي في «تبادل الثقافات» على نطاق أوسع؟
البودكاست وسيلة بلا حدود، اليوم يمكنك أن تتحاور مع كاتب من إسبانيا أو مفكر من فرنسا وأنت جالس في مكتبك، هذه الميزة لم يكن الإعلام التقليدي قادراً على تحقيقها بهذه السهولة.
لدينا اليوم بودكاستات عربية تترجم إلى لغات أخرى، وأخرى تستضيف ضيوفاً أجانب يتحدثون عن الثقافة العربية، وهذه الحوارات العابرة للحدود تخلق تواصلاً حضارياً وثقافياً مع الآخرين، وتقدم صورة أعمق عن الإنسان العربي للعالم.
* كيف تتوقعون أن يتطور هذا المشهد خلال السنوات المقبلة؟ هل هناك ملامح رؤية لمستقبل البودكاست العربي؟
اعتقد أن المرحلة القادمة سوف تكون مرحلة فلترة طبيعية للمحتوى، في البداية سيزداد العدد كثيراً، ثم سيبقى فقط من يملك مشروعاً واضحاً ورؤية جادة، تماماً كما حدث في عالم النشر: البعض أصدر كتاباً واحداً بدافع الفضول ثم اختفى، بينما بقي أصحاب المشاريع الأدبية والفكرية الجادة، الأمر ذاته سيحدث مع البودكاست، بعد فترة، الجمهور نفسه سيصبح أكثر نضجاً، لن يمنح اهتمامه لأي محتوى منشور، بل سيتجه إلى القنوات التي تثبت مصداقيتها واستمراريتها.
* لكن ألا ترى أن السوق اليوم يعاني تشبعاً أو فوضى في إنتاج البودكاست؟
نعم، هناك ازدحام طبيعي لأي ظاهرة جديدة. لكن هذا ليس سلبياً بالضرورة، هذه الفوضى هي التي تفرز التميز، سنجد خلال سنوات قليلة أن الساحة استقرت، وبقيت أسماء نوعية فقط، المهم أن نعرف أن النجاح يقاس بقيمة المشروع واستمراره، الذين يملكون رسالة ثقافية ورؤية معرفية هم من سيواصلون، أما من دخلوا بدافع التجربة أو الشهرة اللحظية، فسينسحبون سريعاً.
قنوات
* ذكرت أن النجاح مرهون بالمشروع الثقافي، فهل يمكننا اعتبار البودكاست مؤسسة ثقافية جديدة بحد ذاته؟
نعم، دون مبالغة بعض قنوات البودكاست العربية اليوم أصبحت تنتج محتوى يوازي ما تنتجه المؤسسات الثقافية التقليدية، وكثير من البرامج أصبحت مرجعاً أرشيفياً، ولديها أثر حقيقي في الوعي الجمعي، وهذه التحولات تجعلنا أمام مشهد ثقافي ديناميكي، قوامه صانع محتوى مثقف، وتقنية متطورة توصل الرسالة.
* بالحديث عن صانع المحتوى، كيف ترى العلاقة بين تخصص المقدم وموضوع البودكاست؟ هل تؤمن بفكرة «التخصص الدقيق» أم بانفتاح المقدم على جميع المواضيع؟
أنا أؤمن بالمحاور «المتمكن»، لا بمجرد المتخصص. بمعنى، الاستمتاع الحقيقي بالبودكاست يأتي من محاور واثق وضيف واثق، بغض النظر عن نوع المحتوى، لكن بالنسبة لصانع المحتوى المحترف، فالتخصص ضروري، إن لم تكن ملماً بموضوعك فلن تستطيع الخوض فيه، لا يمكنك محاورة عالم اقتصاد وأنت لا تملك أساسيات الاقتصاد، كما لا يمكنك إدارة حوار فلسفي وأنت لا تعرف مفاهيم الفلسفة، المستمع اليوم ذكي جداً، يكتشف السطحية بسرعة، لذلك أقول إن المعرفة العميقة سلاح المحاور الجيد الأول.
* من خلال تجربتكم ومتابعتكم المستمرة، ما الرسالة التي تود توجيهها للمقبلين على عالم البودكاست؟
رسالتي لهم: تدربوا أولاً، ثم أبدعوا، التدريب على إدارة الحوار هو سر نجاح البودكاست، تعلموا كيف تصاغ الأسئلة الحوارية، وكيف تتيحون للضيف أن يعرض فكرته، فأنتم وسيط نقل للفكرة والمعلومة من الضيف إلى الجمهور، وثانياً، لا تستهينوا بالمحتوى. جودة المعلومة لا تقل أهمية عن طريقة تقديمها، يجب أن تمتلك معرفة حقيقية بالموضوع الذي تتناوله، لأن المستمع العربي أصبح ناقداً فطناً.
وأخيراً، اجعلوا البودكاست مشروعاً فمن يمتلك مشروعاً ثقافياً سيبقى، ومن يسعى إلى الشهرة فقط سيغيب سريعاً.
لغات
* أخيراً، إذا أردنا أن نلخص رؤيتكم حول مستقبل البودكاست العربي، فماذا تقولون؟
أقول إن البودكاست هو إعلام الغد وإحدى لغات الثقافة الجديدة، وهو مساحة من الحرية الفكرية والمعرفة، يجمع بين الشغف والتفكير، ويعيد تعريف مفهوم الثقافة الجديدة في ظل تطورات التقنية، وفي رأيي، سيكون التميز لمن يدمج بين التقنية والفكرة، مع إعداد جيد وحس عال بالمسؤولية.