ثمة أمور في سوق صناعة الكتاب تستوجب منك الوقوف عندها مطولاً، محاولاً فهم مجريات وتقلبات هذا السوق الذي يخضع للمنطق ويتمرّد عليه حيناً آخر، سوق «عجيب غريب» تحقق فيه روايات لصاحبها مبيعات مليونية، ولكن هذه الأرقام لا تشفع لروايته أن تنال أي جائزة أدبية وفق معايير لجان الجوائز المتخصصة، وعلى النقيض نجد رواية تنال جائزة مرموقة، ولكن أغلب شريحة القراء لم يسمعوا بها، أو مروا عليها مرور الكرام، وحققت مبيعاتها رقماً يكاد يوازي كلفة طباعتها.
وإذا عدنا لبدايات الألفية، وخصوصاً في عقدها الأول، نجد كتب «تطوير الذات» واحدة من أهم الظواهر إثارة للتأمل في هذا السوق، فقد هيمنت على المشهد القرائي، وتحول بعض مؤلفي هذه الكتب إلى «نجوم شباك»، تتهافت عليهم القنوات التلفزيونية لإبرام عقود وصفقات الظهور في برامج أو لقاءات، حتى متعهدو الحفلات الفنية عملوا على تخصيص مسارحهم للقاء جماهيري مع «مطور الذات»، بعوائد مالية مغرية جداً.
وبطبيعة الحال كانت تلك الحقبة تشهد، عربياً، تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، مهّدت الأرضية الخصبة لنمو وتطور هذا الاتجاه في الكتابة والتأليف، فقد كان الإنسان العربي يمر في نفق مظلم، والمستقبل أمامه مجهول، والقلق بات مسيطراً على نواحي الحياة العامة، وهنا وجدت هذه المؤلفات فرصتها لتقديم وصفات جاهزة مغايرة في الطرح، لم تهتم بتفسير وبحث أسباب القلق والتوتر، أو تقديم دراسات أكاديمية ونفسية جافة، فوضعت أمام القارئ عناوين جذابة على شاكلة: (كيف تتخلص من القلق في خمس خطوات).
قد يكون هذا منطق السوق، ولا بأس في ذلك، ففي النهاية الكاتب الذكي هو من يجيد اقتناص الفرصة وتكييف منتجه، سواء كان رواية أو كتاباً، مع ما يجاري العرض والطلب، فلا يحارب طواحين الهواء، ويعتمد على أدوات العصر التقنية، ويستمزج رأي خبراء النشر الموجه، طارقاً باب الشهرة والأضواء والربح.
لكن الغريب في سوقنا العربي للنشر، والذي هو جزء من السوق العالمي، أن ظواهر وقفزات «ترند» المبيعات يكاد ينحصر في مجال الرواية و كتب تطوير الذات، بينما في العالم الغربي نجد أن كتباً بمبيعات مليونية في مجال البيئة، مثل كتاب «الانقراض السادس» للكاتبة إليزابيث كولبرت، وكتاب تحقيق اقتصادي «دماء سيئة» للصحفي جون كاريرو، والكتاب الطبي «الجين: تاريخ حميم»، للطبيب وعالم الأحياء الأمريكي سيدهارتا موخيرجي وهو سيرة ذاتية شاملة وممتعة لعلم الوراثة.
السؤال المفتوح الآن: لماذا لا توجد كتب عربية تتناول مثل هذه الموضوعات التي حققت «مبيعات مليونية»؟
