كريستيان غاتيكر*
استعاد الدولار الأمريكي جاذبيته لدى المستثمرين، في ظل توقعات باستمرار نهج أكثر تشدداً من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب التدفقات القوية لرؤوس الأموال إلى الأصول الأمريكية المدفوعة بزخم الذكاء الاصطناعي، والتحسن المتواصل في أوضاع الحسابات الخارجية. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار أيضاً إلى موسم إعلان نتائج أعمال الشركات، حيث سيكون للأداء القوي للشركات، ولا سيما العاملة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، دور مهم في الحفاظ على ثقة المستثمرين بالأصول الأمريكية ودعم قوة الدولار. وفي هذا المقال، نستعرض ما تعنيه هذه التطورات بالنسبة للمستثمرين.
عاد الدولار الأمريكي بقوة إلى صدارة اهتمامات المستثمرين، مدعوماً بالزخم المتواصل لقطاع الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي عزز من جاذبية الأصول الأمريكية واستمرار تدفق الاستثمارات إلى أسواق الأسهم. كما ساهمت توقعات استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في انتهاج سياسة نقدية متشددة، كما ظهرت في «مخطط النقاط» (Fed Dot Plot)، إلى جانب المؤشرات على أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وورش، لن يعارض سياسة نقدية متشددة في اتساع فروق أسعار الفائدة.
في الوقت نفسه، تقلص العجز الهيكلي في الحساب الجاري الأمريكي بفضل ارتفاع صادرات الطاقة وتراجع الواردات مع تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي المحلي. ونتيجة لذلك، أصبحت الولايات المتحدة بحاجة إلى تدفقات رأسمالية أقل لتمويل خروج الدولار إلى الخارج. وانطلاقاً من هذه التطورات، رفعنا تقييمنا للدولار الأمريكي على المدى القريب لنتوقع أداءً أكثر قوة، مع استمرار توقعاتنا بتراجعه على المدى الطويل، ولكن بوتيرة أقل مما كنا نتوقع سابقاً. ومع ذلك، لا نتبنى نظرة متفائلة بالكامل، إذ قد تضطر الأسواق لاحقاً إلى إعادة تسعير توقعات رفع أسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
فرص جديدة في أسواق العملات
يواصل الين الياباني تراجعه رغم رفع بنك اليابان أسعار الفائدة واعتماده نهجاً جديداً يقوم على التدخل المفاجئ في سوق الصرف. إلا أن استمرار الفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة بين اليابان والاقتصادات الرئيسية يجعل من غير المرجح أن تحقق هذه التدخلات أثراً مستداماً، وهو ما دفعنا إلى خفض توقعاتنا لأداء الين.
في المقابل، استفاد الجنيه الإسترليني من تراجع حالة عدم اليقين السياسي عقب الانتقال السلس لرئاسة الحكومة من كير ستارمر إلى خلفه آندي بورنهام. ورغم استمرار الضغوط المرتبطة بالأوضاع المالية العامة، دفعت هذا الاستقرار إلى رفع توقعاتنا للجنيه الإسترليني بشكل طفيف على المدى القريب.
أما الفرنك السويسري، فمن المتوقع أن يواجه ضغوطاً خلال الأشهر المقبلة مع انحسار المخاطر الجيوسياسية، الأمر الذي أعاد التركيز على انخفاض أسعار الفائدة في سويسرا مقارنة بالاقتصادات الأخرى. وبالمثل، أسهم تراجع التوتر في مضيق هرمز في إضعاف أداء العملات المرتبطة بالسلع الأساسية، إلا أن جاذبية العائد لا تزال تدعم كلاً من الدولار الأسترالي والكرونة النرويجية.
تتجه أنظار المستثمرين إلى مدى قوة أرباح الشركات الأمريكية واستمرار الدعم الذي توفره للدولار الأمريكي.
ورغم أن النظرة الأولى قد توحي بأن توقعات الأسواق أصبحت مرتفعة أكثر من اللازم، فإن الصورة العامة تبدو أكثر توازناً. وتشير التقديرات إلى نمو أرباح الشركة المتوسطة ضمن مؤشر S&P 500 بنحو 9%، في حين من المتوقع أن تحقق عشرة من أصل أحد عشر قطاعاً نمواً في الأرباح. ويعد قطاع الرعاية الصحية الاستثناء الوحيد، إذ يُنتظر أن تتراجع أرباحه بنسبة 9.5% نتيجة تكاليف استثنائية سجلتها إحدى الشركات. وباستبعاد هذا العامل، يُتوقع أن تنمو الأرباح الأساسية للقطاع بنحو 6.5%.
ونتوقع أن يشهد موسم إعلان النتائج أداءً قوياً مرة أخرى، مع استمرار نمو أرباح الشركات على نطاق واسع، الأمر الذي يوفر دعم إضافي لأسواق الأسهم.
نظرة إلى المرحلة المقبلة: ما الذي يجب على المستثمرين مراقبته؟
مع انقضاء النصف الأول من عام 2026، يصعب وصف العام حتى الآن بأنه كان هادئاً بالنسبة للمستثمرين. فقد أظهرت الأسواق مرونة فاقت التوقعات، رغم المخاوف التي سادت في بداية العام، بينما تنافست ثلاثة عوامل رئيسية على توجيه الأسواق، وهي الزخم المتواصل للذكاء الاصطناعي، والتوترات الجيوسياسية، وحالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية. وإذا استمر النمط المعتاد الذي تشهده الأسواق خلال سنوات انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، فإن ملامح المرحلة المقبلة تبدو أكثر وضوحاً.
ومن المتوقع أن تستفيد الأسواق من العوامل الموسمية الإيجابية خلال النصف الأول من يوليو. وبعد ذلك، قد تدخل مرحلة من التحركات المحدودة، مع انتقال الزخم بين القطاعات والمناطق الجغرافية والاتجاهات الاستثمارية المختلفة. ولا يعني ذلك بالضرورة تحولاً سلبياً في الأسواق.
*رئيس قسم الأبحاث: كريستيان غاتيكر*
*رئيس قسم الأبحاث : كريستيان غاتيكر*
**كبير الاقتصاديين (بنك جوليوس بير): ديفيد كول**
ديفيد كول كبير الاقتصاديين (بنك جوليوس بير)
