بدأت سوق الدروس الخصوصية نشاطها هذا العام قبل وقت طويل من انطلاق الدراسة، في مشهد يتكرر بوتيرة متصاعدة عاماً بعد آخر، بعدما أصبح الحجز المبكر لدى المعلمين جزءاً من استعدادات كثير من الأسر للعام الدراسي الجديد الذي انطلق مؤخراً.
وتسابق أعداد كبيرة من طلبة الحلقة الثالثة، وخصوصاً الصف الثاني عشر وأولياء أمورهم، إلى حجز أماكن في دروس المواد الثقيلة أو كما تسمى بالدسمة، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة العربية وغيرها، وسط ارتفاع ملحوظ في أسعارها، وتوسع لافت في الإعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي يروج من خلالها مُعلّمون داخل الدولة وخارجها لخدماتهم التعليمية عبر الإنترنت، ما يجعل موسم الدروس الخصوصية يبدأ قبل افتتاح أبواب المدارس.
يرى تربويون أن الإقبال المبكر على الدروس الخصوصية يعكس حالة من القلق المتزايد لدى الأسر، خصوصاً مع اقتراب الطلبة من المرحلة النهائية في التعليم المدرسي، حيث ينظر كثيرون إلى الصف الثاني عشر باعتباره عاماً مصيرياً يحدد مستقبل الطالب الجامعي، مؤكدين أن بعض الأسر أصبحت تتعامل مع الدروس الخصوصية كجزء أساسي من الخطة الدراسية، وليس كحل لمواجهة ضعف التحصيل، وهو ما أدى إلى انتقال المنافسة من داخل المدرسة إلى خارجها، وأصبح الحجز المبكر وسيلة لضمان الاستمرار مع المعلم نفسه طوال العام.
أسعار مرتفعة
يقول عاصم أحمد، ولي أمر: «إن الرسوم ارتفعــت بصـــورة ملحوظـــة مقـــارنة بالأعـــــوام السابقة، وإن كلفة تدريس 4 مواد رئيسية أصبحت تمثل عبئاً كبيراً على ميزانية الأسرة».
ويشير إلى أن الأسرة تضطر أحيانًا إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية لتوفير قيمة الدروس، خاصة إذا كان لديها أكثر من طالب في مراحل دراسية مختلفة، موضحاً أن ارتفاع الأسعار لا يمنحهم فرصة كبيرة للاختيار، لأن معظم المعلمين المعروفين يحددون رسومهم قبل بداية الموسم بفترة طويلة.
وتذكر ناهد أحمد، وليّة أمر طالبة، أن المشكلة لا تكمن فقط في قيمة الحصة، وإنما في زيادة عدد الحصص والاشتراطات الخاصة بالحجز المبكر، وهو ما يجعل الإنفاق على الدروس يبدأ قبل بدء الدراسة الفعلية.
منافسة رقمية
من جانبهم، يرى تربويين أن بعض الطلبة دخلوا العام الدراسي وهم مرتبطون بالفعل بجداول دروس مكثفة، الأمر الذي يقلل من فرص الاستفادة من الإجازة ويجعل العام الدراسي يبدأ عملياً قبل موعده الرسمي.
ومع توسع التعليم عبر الإنترنت، دخل معلمون من دول عربية أخرى إلى سوق الدروس الخصوصية، مقدمين حصصاً مباشرة ومنظمة عبر المنصات الرقمية.
ويقول التربوي هاني بدير، إن التطور الهائل في التكنولوجيا أوجد خيارات أوسع أمام الطلبة، لكنه في الوقت نفسه رفع مستوى المنافسة بين المعلمين، وأدى إلى انتشار حملات دعائية مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي استهدفت الأسر حتى قبل انطلاق العام الدراسي.
من جانبه، أشار نيل ديلك، مدير أكاديمي، إلى أن الإعلان الإلكتروني أصبح عنصـــراً مؤثراً في جذب الطلبة؛ إذ يعتمد بعض المعلمين على مقاطع تعريفية ونتائج طلبة سابقين وبرامج مراجعة مبكرة، ما يدفع كثيراً من الأسر إلى اتخاذ قرار الحجز بسرعة خشية اكتمال الأعداد.
ضغوط مبكرة
من منظور آخر يرى طلاب أن القلق النفسي يسيطر عليهم بشكل كبير ويسارع أغلبهم إلى حجز الدروس عند عدد من المعلمين خشية غلق باب الحجز واكتمال الأعداد، فيقول يوسف محمد، إن أغلب زملائه بدؤوا بالفعل في الاتفاق مع معلمي الرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها من المواد الثقيلة؛ لأن التأخر في الحجز قد يعني عدم الحصول على مكان لدى المعلم الذي يفضلونه.
ويلفت إلى أن انتشار الحديث عن الدروس في مجموعات الطلبة يجعل الجميع يشعر بأن عليه الإسراع، حتى وإن لم يكن مقتنعاً بالحاجة إليها منذ البداية، خوفاً من أن يتأخر عن الآخرين. ويتفق معه عبد الحميد منصور، فيشير إلى أن أن كثرة الإعلانات على منصات التواصل الاجتماعي تجعل الطالب يعيش أجواء الدراسة مبكراً، مضيفة أن المقارنات المستمرة بين أسماء المعلمين ورسومهم تزيد من حالة التوتر مع انطلاق العام.
الحصّة الصفّية
من جهتهم، أكد مُعلمون عبر منصات رقمية تتبع لإدارات مدرسية، أن نجاح الطالب لا يرتبط بعدد الدروس التي يحصل عليها، وإنما بمدى التزامه بالمذاكرة الذاتية واستثماره للحصة الصفية بصورة جيدة.
ويرون أن الاعتماد الكامل على الدروس الخصوصية قد يضعف قدرة الطالب على التعلم المستقل.