المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.
هيت
يقال هَيْتَ وهَيْتُ وهَيْتِ وهيتَ وهيتُ، وهي اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ بِمعْنى: تعالَ وأَقْبِلْ.
قال أُحَيْحَةُ بْنُ الجُلاحِ، في عصر ما قبل الإسلام يَفْتَخِرُ بِسَيْفِهِ:
بِهِ أَحْمي المضافَ إِذا دَعاني
إِذا ما قيلَ لِلأَبْطالِ هَيْتا
وخير شاهد على معنى ودلالة هذا الفعل، نجده في العصر الإسلامي في القُرْآنِ الكَريمِ في سورة يوسف، الآية 23 يقولَ اللهُ:
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾
وقالَ الخَليلُ بن أحمد في كتابه العين:
«هَيْتَ لَكَ؛ أَيْ: هَلُمَّ لَكَ».
وقد استمر المعنى والاستخدام لهذا الفعل في عصر الدول والإمارات، قالَ لِسانُ الدِّينِ بْنُ الخَطيبِ يُراسِلُ أَبا إِسْحاقَ بْنَ الحاجِّ:
«جاءَتِ السِّيادَةُ فجَلَسَتْ، وتَنَعَّمَتِ الأَحْداقُ بِالنَّظَرِ الّذي اخْتَلَسَتْ، وسَمَحَتِ الأَكُفُّ حَتّى أَفْلَسَتْ، وزانَتِ الشَّمْسُ ذَلِكَ الفَلَكَ، وجَلَتِ الأَنْوارُ الحَلَكَ، فُتِحَتِ الأَبْوابُ وقالَتْ: هَيْتَ لَكَ».
وحتى العصر الحديث حافظت هذه المفردة على حضورها اللغوي، وشاهد ذلك من قول عَبَّاس خِضر (1365ه=1946م) تاريخُ الطَّبْعِ، يَذْكُرُ قَلَماً أَعْجَبَهُ:
«ودَسَّ يَدَهُ في جَيْبِهِ بِعِنايَةٍ، فأَخْرَجَ قَلَمًا ثَمينًا مِنْ مارْكَةٍ مَشْهورَةٍ، فتَناوَلْتُهُ مِنْ يَدِهِ، وأَجْرَيْتُهُ عَلى القِرْطاسِ، فجَرى لَيِّنًا، يَكادُ يَجُرُّ اليَدَ إِلى الكِتابَةِ جَرًّا، بَلْ يَكادُ يَمْتَحُ مِنَ القَريحَةِ مَتْحًا، فرَدَّدْتُ بَصَري بَيْنَ وَجْهِ صاحِبي الظّافِرِ، وبَيْنَ القَلَمِ الّذي يَقولُ لي: هَيْتَ لَكَ! ثُمَّ رَجَعَ البَصَرُ إِلَيَّ خاسِئًا وهُوَ حَسيرٌ، وأَعْجَلَني صاحِبي، سامَحَهُ اللهُ، في رَدِّ قَلَمِهِ».
نَبَسَ
نَبَسَ (بِفَتْحِ الباءِ) فُلانٌ يَنْبِسُ (بِكَسْرِ الباءِ) نَبْسًا ونُبْسَةً: أي تَكَلَّمَ.
حضرت هذه المفردة في اللغة العربية منذ عصور ما قبل الإسلام، ودلت على هذا المعنى الوصفي، ومن شواهد ذلك قول المهَلْهِلُ التَّغْلِبيُّ يَرْثي أَخاهُ كُلَيْبًا:
وتَقاوَلوا في أَمْرِ كُلِّ عَظيمَةٍ
لَوْ كُنْتَ حاضِرَ أَمْرِهِمْ لَمْ يَنْبِسوا
ونجدها أيضاً حاضرة في العصر الإسلامي، محافظة على معناها ودلالتها، ومن ذلك قول مَنْظورُ بنُ سُحَيْمٍ الفَقْعَسيُّ:
ما يَسْمَعُ السَّفْرُ بِها مِنْ نَبْسِ
غَيْرَ أَحاديثِ بِلادٍ حُمْسِ
«بِلادٌ حُمُسٌ: قِفارٌ»
وقد قال الخَليلُ بن أحمد الفراهيدي: «ما نَبَسَ فُلانٌ بِكَلِمَةٍ، أَيْ: ما تَكَلَّمَ، يَنْبِسُ نَبْسًا».
وتواصل حضور المفردة في عصر الدول والإمارات، ومن ذلك قول ابْنُ الصَّيْقَلِ الجَزَريُّ في وَصْفِ نَديمٍ:
«فَقوبِلَ بِما بِهِ سَلَّمَ، بَعْدَ أَنْ مُلِّكَ مَقاليدَ إِكْرامِنا وتَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنَّهُ نَبَسَ بِما نَبَسَ، ونحا القَبَسَ وعَبَسَ».
وفي العصر الحديث كذلك، نجد شاهداً في قول ناصيفُ اليازِجيُّ في المَقامَةِ الكوفِيَّةِ:
«ولكِنْ لَوْ أَبَنْتَ فَعَبَسَ، حَتّى ما نَبَسَ».
أَصْلَدَ
يقال في العربية: أَصْلَدَ الشَّيْءُ، أي بمعنى صَلُبَ واشْتَدَّ، وتأتي في دلالتها اللغوية لوصف شدة وقوة الشيء
وقد ورد توظيف لهذا المعنى اللغوي المعبر عن الصلابة في عصور متتابعة، ونجد في المعجم التاريخي للغة العربية بيان ذلك، فقدت حضرت المفردة في لغة العرب وذلك في العصر الإسلامي، ونجد على ذلك دليل من قول النّابِغَةُ الشَّيْبانِيُّ، في وَصْفِ أَخْلاقِ النّاسِ:
وما النّاسُ في الأَخْلاقِ إِلّا غَرائِزٌ
كَما الشِّعْرُ مِنْهُ مُصْلِدٌ وغَزيرُ
و نجد كذلك أن هذه المفردة حافظت على حضورها في العجم اللغوي العربي في العصر العباسي، وقد استمر لذات المعنى، وعلى ذلك شاهد من قول ابْنُ الأَعْرابِيِّ:
«صَلَدَتِ الأَرْضُ وأَصْلَدَتْ، وحَجَرٌ صَلْدٌ ومَكانٌ صَلْدٌ: صُلْبٌ شَديدٌ».
كما استمر استخدام المفردة أيضاً في عصر الدول والإمارات في الدلالة على ذات المعنى اللغوي، وعلى ذلك شاهد نجده في قول ابْنُ تَقِيِّ الدّينِ الدِّمَشْقِيّ يَفْتَخِرُ بِبَلاغَتِهِ:
إِنْ أَصْلَدَ الزِّنادُ في الأَيادِي
ما أَصْلَدَتْ قَرائحُ الأَكْبادِ
أَوْرَتْ زَنائدِي فُنونًا قَصَّرَتْ
عَنْ نَعْتِها اللَّهى مِنَ الأَمْجادِ