قبيل انعقاد المؤتمر العالمي للألماس في سنغافورة، لا يزال الحوار العالمي حول الألماس المُصنّع مخبرياً يتركز إلى حدٍ كبير على حلقة التوريد التي تربط بين الولايات المتحدة والهند والصين. غير أن التمعن في التحولات الكبرى التي يشهدها هذا القطاع يكشف عن تحول جيوسياسي وتكنولوجي واسع النطاق. وخلال العقد المقبل، لن تكون الريادة من نصيب من يمتلك أكبر كميات من الألماس، بل من ينجح في إتقان تصنيع الأحجار فائقة الجودة.
وغالباً ما يُنظر إلى الألماس المُصنّع مخبرياً من منظورٍ ضيق، يختزله في كونه منتجاً استهلاكياً يمر بمراحل محددة تبدأ بالابتكار، ثم القبول في الأسواق، قبل أن تنتهي بانخفاض الأسعار. غير أن هذه القراءة تغفل تحولاً أكثر عمقاً. فما أنجزته الولايات المتحدة والهند والصين على مدى العقد الماضي لا يقتصر على تطوير صناعة جديدة، بل يتمثل في بناء منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: سوق ناضجة للمواد الصناعية، وسوق استهلاكية للمجوهرات، ومجال تكنولوجي متقدم يمتد من أشباه الموصلات والبصريات إلى الحوسبة الكمية. ولكل محور من هذه المحاور قاعدة إنتاج، وجغرافيا تصنيع، ومنحنى طلب خاص به، ما يعني أن الريادة في أحدها لا تضمن بالضرورة الريادة في المحاور الأخرى.
ويعمل قطاع المجوهرات الاستهلاكية بين هذه الدول الثلاث كحلقة شديدة الإحكام يكاد يكون من المستحيل كسرها، ولا يمكن لأي سوق أخرى في الوقت الراهن أن تحل محل أيٍّ من أطرافها. ويجسد هذا القطاع نموذجاً حياً للكيفية التي أصبحت تُرسم بها خريطة تجارة السلع في العصر الحديث، من خلال ممرات تجارية شديدة التخصص وعالية التركّز.
وتكشف الأدوار التي تؤديها هذه الدول الثلاث داخل هذه المنظومة عن توازن واضح. فالولايات المتحدة تهيمن على جانب الطلب، إذ تستحوذ وحدها على نحو 70% من مبيعات مجوهرات الألماس المُصنّع مخبرياً على مستوى العالم. ومع دخول هذا النوع من الألماس في نحو ستة من كل عشرة خواتم خطوبة، أصبحت سوق الزفاف الأمريكية المحرك الرئيسي لإيرادات هذه الصناعة. ولو تراجع الطلب الأمريكي، لما امتلكت أوروبا والهند مجتمعتين القدرة على استيعاب هذا الحجم من السوق.
في المقابل، تتصدر الصين جانب الإنتاج، إذ تشير بيانات القطاع إلى أنها قد أنتجت نحو 22 مليون قيراط من الألماس المُصنّع مخبرياً بجودة الأحجار الكريمة خلال عام 2024، بما يعادل قرابة ثلاثة أخماس الإنتاج العالمي. وتؤكد البيانات التجارية هذا الواقع، بعدما بلغت صادرات الصين من الألماس المُصنّع مخبرياً في صورته الخام نحو 35 مليون قيراط خلال عام 2025. وقد أسهم ذلك التوسع الكبير في القدرات الإنتاجية الصينية في خفض كُلفة هذا النوع من الألماس إلى مستويات جعلته في متناول الأسواق الاستهلاكية بشكل واسع النطاق.
أما الهند، فتؤدي دوراً محورياً في مرحلة المعالجة، حيث تتولى صقل أكثر من 90% من الإنتاج العالمي من الألماس الخام المُصنّع مخبرياً. وبدعمٍ من استثمارات مالية ضخمة، تُقدّر أوساط الصناعة عدد مفاعلات إنتاج الألماس المُصنّع مخبرياً في الهند بنحو 14000 مفاعل، بما أدى إلى مضاعفة طاقتها الإنتاجية تقريباً خلال بضع سنوات. وقد أحدث هذا التوسع تحولاً جوهرياً في حركة التجارة، إذ تجاوزت صادرات الهند من الألماس المُصنّع مخبرياً بعد صقله صادراتها من الألماس الطبيعي المصقول من حيث الحجم للمرة الأولى، مسجلة 18.8 مليون قيراط مقابل 16 مليون قيراط خلال السنة المالية 2025-2026.
وتعدّ مدينة سورات هي حجر الأساس في هذه المنظومة، إذ تحافظ على كلفة صقل لا تتجاوز 60 دولاراً للقيراط، وهو رقم لا يستطيع أي مركز آخر لصقل الألماس في العالم العمل في إطاره بصورة مُربحة.
وبناءً على ذلك، تفرض هذه المنظومة على أطرافها مسؤولية مشتركة عن وضع السوق. فالدول الثلاث التي أسهمت في انتعاش قطاع المجوهرات، كانت أيضاً السبب وراء التراجع الحاد في قيمة الألماس المُصنّع مخبرياً على مستوى تجارة الجملة. فقد أدى فائض الطاقة الإنتاجية في الصين، إلى جانب التوسع السريع في قدرات الإنتاج في الهند، إلى هبوط أسعار الجملة بما يصل إلى 90%. ولم يتمكن هذا القطاع من الحفاظ على استمراريته إلا بفضل تجّار التجزئة في الولايات المتحدة، الذين واصلوا دعم السوق من خلال الاستفادة من الفجوة الكبيرة بين أسعار الجملة المتراجعة والأسعار النهائية التي بقيت مستقرة نسبياً.
وبعبارة أخرى، فإن الأطراف الثلاثة نفسها هي التي صنعت الطفرة، وهي التي تسببت في انهيار الأسعار، وهي اليوم الركيزة التي يستند إليها استمرار هذا القطاع، فالصين تتحمل الخسارة في مرحلة النمو والإنتاج، والهند تتحملها في مرحلة الصقل، بينما توفر هوامش الربح في سوق التجزئة الأمريكية المقومات التي تضمن استمرار النشاط التجاري. ومن دون أيٍ من هذه الأطراف، يختل توازن المنظومة، ويصبح من الصعب على بقية الأسواق تعويض هذا دور الطرف المفقود.
*الرئيس التنفيذي لشركة «أبسيلون إيدج»
علي بولوت