يتسع الشرخ بين كل من الولايات المتحدة من جهة، والاتحاد الأوروبي وكندا من جهة أخرى، بحيث بات المحيط الأطلسي الذي كان يوماً جامعاً لهذه الدول، وعنواناً للتعاون منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ونموذجاً للتحالف خلال الحرب الباردة، ساحة صراع مكشوفة لم يعد ينفع معها على ما يبدو، الترقيع والبحث عن الحد الأدنى من التوافق.
بعد السياسات الملتبسة للإدارة الأمريكية إزاء حلف «الناتو»، والموقف من قادة أوروبيين وصفتهم بأنهم «نمر من ورق»، أو التهكم عليهم، بعد رفضهم طلب دعم الولايات المتحدة في حربها على إيران، والخلاف بشأن الحرب الأوكرانية، ثم فرض رسوم جمركية متصاعدة على دولهم، فإن الهوة تتسع أكثر مع إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يوم أمس أمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ، السعي للارتقاء بالعلاقات مع كندا لأن تصبح «العضو الشريك» في الاتحاد الأوروبي، وذلك بحضور رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الذي صفق له النواب مطولاً. واقترحت أيضاً انضمام كندا إلى «مجلس الأمن الأوروبي» الذي تسعى إلى إنشائه، فيما دعا كارني إلى «ضرورة إعادة صياغة شراكتنا»، بعدما تحدث عن إقامة «تحالف فريد على جانبي الأطلسي».
ورغم تأكيد فون دير لاين أن هذه «الشراكة» مع كندا ليست موجهة ضد أي طرف آخر، بل هي «تعزيز لقوتنا المشتركة»، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رأى في كلام رئيسة المفوضية الأوروبية تحدياً للولايات المتحدة، حيث هدد بتقليص التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي إذا مضى في تنفيذ منح كندا صفة أول «عضو شريك» في التكتل، وقال «إنه أمر مثير للسخرية»، وأضاف «إذا مضوا قدماً، وإذا رأيت أن في الأمر أي تصرف عدائي، فسأفرض رسوماً جمركية صارمة جداً أو أوقف التجارة مع أوروبا».
إن الحرب التجارية التي شنتها الإدارة الأمريكية ضد الاتحاد الأوروبي وكندا، برفع الرسوم التجارية على الواردات منها، وما اعتبرته «موقفاً عدائياً» تجاهها من جانب حلف الناتو، إضافة إلى انسحاب كندا من المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة التي حاولت فرض شروط تجارية مجحفة عليها، دفع كلاً من أوروبا وكندا إلى إدارة ظهريهما لواشنطن والعمل على تعزيز علاقاتهما الثنائية التجارية وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة، كما ارتفع حجم التجارة بينهما بنسبة 80 في المئة منذ عام 2016، بفضل دخول اتفاق التجارة الحرة الذي ألغى معظم الرسوم الجمركية، حيز التنفيذ.
كما تعمل أوروبا في الوقت نفسه على حشد الدعم لاستراتيجيتها الرامية إلى إحداث توازن مع القوتين العظميين، الولايات المتحدة والصين، بهدف التمكن من مواجهة الضغوط الأمريكية المتواصلة، في حين تأمل كندا إبرام اتفاق يسمح لبنك الاستثمار الأوروبي بتمويل مشاريع كندية مرتبطة بالمعادن الاستراتيجية النادرة.
تحاول كندا التخفيف من ارتباطها الاقتصادي التاريخي بالولايات المتحدة وتقليصه إلى أكبر حد ممكن، وبدأت تدير وجهها صوب أوروبا وشركاء آخرين، فاتحة الباب أمام تحول قد يعيد رسم موقع كندا السياسي والاقتصادي، وهي تلاقي الحضن الأوروبي الدافئ للكنديين الذين باتوا يشعرون بالاستياء تجاه سياسات أمريكية تتسم بالتعالي والإصرار على استفزازهم من خلال الدعوة لأن تكون بلادهم الولاية الأمريكية الـ 51، أو وضع ترامب اسمه على بحيرة أنتاريو.
هل المواقف الأوروبية والأمريكية المستجدة تعني أن القطيعة بين الطرفين باتت حتمية، أم أن مصالحهما تفرض نوعاً من الهدنة لوقف عملية الانهيار؟