رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفائدة لأول مرة منذ ثلاث سنوات 25 نقطة أساس إلى 3.75%-4.00%. لم يكن القرار مفاجئاً حيث بلغت احتمالات اتخاذ القرار في أوساط المحللين نسبة 92.5%. وجاء القرار بمثابة اعتراف بأن التضخم لم يُهزم.
يواجه صناع السياسات أسوأ توليفة يتداخل فيها تضخم متسارع بسبب صدمات العرض، بينما خطر الركود يرتفع بسبب العلاج نفسه. وتأتي الأرقام لتجعل من الصعب تجاهل كل ذلك.
التضخم: تسارع قابل للقياس
سجل مؤشر أسعار المستهلكين في أغسطس 3.4% على أساس سنوي، دون تغيير يذكر عن معدلات الشهر الذي سبقه. لكن الأساس الشهري ارتفع 0.3%، أي أعلى من المتوقع 0.2%. تراجع الأساس السنوي إلى 2.4% فقط بسبب تأثير سنة الأساس. ومن المؤكد أن أبرز محركات الارتفاع أسعار الطاقة. فقد ارتفع سعر البنزين 3.9% شهرياً في أغسطس، كما ارتفع مؤشر الطاقة 2.1% شهرياً. وتبع ذلك ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين وهو المعيار المفضل لدى الفيدرالي 3.7% في يوليو، ارتفاعاً من 3.6% في يونيو، وهو رقم بعيد عن المستهدف 2%. كما قفزت أسعار الواردات بنسبة 1.3% في فبراير، أكبر زيادة منذ مارس 2022، بينما ارتفعت أسعار الصادرات بنسبة 1.5%، وهو الأكبر منذ مايو 2022.
هذه كلها توابع غير مباشرة لفرض الرسوم الجمركية وإعادة توجيه الشحن عبر البحر الأحمر وهرمز التي تدخل مباشرة في التكلفة.
تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي أن يبلغ معدل التضخم الأمريكي 4.2% في 2026، مقابل توقع الفيدرالي نفسه 2.7%. أما الفجوة بين الرقمين والبالغة 150 نقطة أساس فهي فجوة مصداقية.
لقد لعب النفط دور المسرّع بعد أن لامس سعر برميل برنت 110.90 دولار الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى في أربعة أشهر. حتى بعد تراجعه 2.7% هذا الأسبوع إلى 105.83 دولار، فهو مرتفع 35% منذ بداية يونيو. وبلغ سعر برميل خام غرب تكساس 102.43 دولار. وأقرت وكالة الطاقة الدولية بأن 7 ملايين برميل يومياً من القدرة، معطلة بين هرمز وخط أنابيب شرق-غرب السعودي.
هناك معادلة يعرفها محللو الأسواق تقول إن كل 10 دولارات ارتفاع في النفط تضيف 0.2-0.3% إلى التضخم خلال 60 يوماً. عند 105 دولارات، أضفنا نحو 0.8% إلى التضخم منذ يونيو، ولا يمكن لأي رفع في أسعار الفائدة أن يحفر بئراً للحد من تأثير النفط.
عوائد السندات تهز الاقتصاد
بلغ العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات 5.04% الثلاثاء، وهو الأعلى منذ 2007. صحيح أنه تراجع إلى 4.99% بعد الرفع، لكنه لا يزال مرتفعاً 130 نقطة مقارنة مع أرقام شهر مايو. كما بلغ العائد على شريحة 30 عاما 5.38%. وقد أصبحت الظاهرة عالمية حيث سجلت عوائد سندات بريطانيا 10 سنوات 5.5% — أعلى مستوى في 19 سنة. وسندات اليابان 1.8% — أعلى مستوى في 17 سنة. هناك مشكلتان حسابيتان تدفعان حركة الأسواق أولاهما العرض حيث بلغ صافي الإصدار الأمريكي 1.8 تريليون دولار في 2026، مضافاً إليه إصدار الشركات. وقد دفع الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي وحده إصدار الشركات في سبتمبر فوق 180 مليار دولار، وهذا رقم قياسي.
أما المشكلة الحسابية الثانية فهي الطلب حيث تراجعت الحيازات الأجنبية الرسمية 200 مليار دولار في 12 شهراً. والفيدرالي نفسه لا يزال يقلص ميزانيته ب 25 مليار شهرياً.
وجاءت النتيجة على شكل تحليق في تكاليف الرهن العقاري الأمريكي لأجل 30 سنة إلى 7.3% مقابل 6.2% في يناير. أي +1200 دولار سنوياً لكل 100 ألف مقترضة. وقد هبط معدل الادخار الشخصي إلى 3.9% في يوليو، وهو الأدنى منذ 2022. وانعكس ذلك في مؤشر نمو الأجور الحقيقي إلى النطاق السلبي. فمعدل نمو الأجور زاد 3.5% سنوياً مقابل تضخم ارتفاع التضخم بنسبة 3.7%. وقال أحد الخبراء الاقتصاديين: «رفع الفائدة لا يحفر بئراً واحدة. إنه يرفع تكلفة الرهن وبطاقات الائتمان بينما الإنفاق الحكومي وأسعار الطاقة تبقى دون مساس».
تضاعف احتمالات الركود
عندما يرفع الفيدرالي الفائدة وسط صدمة عرض، فالنمو هو من يدفع الثمن.
وقد استعرضت المؤسسات المالية الكبرى احتمالات الركود خلال الشهور ال12 المقبلة حيث قالت وكالة «موديز» إن الاحتمال يصل إلى 50%. وترى مجموعة غولدمان ساكس أن الاحتمال 30% فقط، ارتفاعاً من 20% في يونيو. أما «إيرنست أند يونغ» فترى أن احتمالات الركود تصل إلى 40%.
ولا تبعث تجارب التاريخ على الاطمئنان. فقد أجرت «غولدمان ساكس» تحليلاً شمل آخر 7 مرات بدأ فيها الفيدرالي الرفع وتبين أن مؤشر S&P 500 تراجع في المتوسط -2% خلال 3 أشهر تالية. وبلغ متوسط التراجع خلال 12 شهراً+9% — باستثناء 2022، عندما بقي النفط فوق 100 دولار. حينها كان -15%.
بالنسبة للجنوب العالمي، سوف يكون الضغط مزدوجاً. فكل 100 نقطة ارتفاع في العائد الأمريكي 10 سنوات تضيف حوالي 25 مليار دولار سنوياً في خدمة الدين للدول الناشئة. وعندما يصل سعر برميل برنت إلى 105 دولارات والعائد الأمريكي عند 5%، يدفع مستوردو النفط مثل باكستان وكينيا ومصر والأردن ثمناً أعلى للنفط ويحتاجون إلى مزيد من الدولارات لشرائه. لقد دفعت موجة البيع الأخيرة 11 مليار دولار تدفقات خارج صناديق ديون الأسواق الناشئة في أسبوعين.
احتمالات بالأرقام
السيناريو أن يبقى احتمال بقاء معدل التضخم فوق 3.5% حتى الربع الأول من عام 2027 ما بين 80-90%، في حال أقر الفيدرالي برفعين إضافيين. وسيبقى احتمال استمرار الركود عند 50% أو أكثر بقليل خلال 12 شهراً. دخلنا مرحلة يجب على الفيدرالي أن يختار فيها بين هدفيه، وقد اختار محاربة التضخم أمس ولا بد أن يظهر الثمن في سوق الائتمان.
اسعار النفط
إذا هبط النفط بسرعة دون 85 دولاراً، يهدأ التضخم ويمكن للفيدرالي التوقف. أما إذا بقي فوق 100 دولار، كما تشير مخاطر الشحن الحالية، سيضطر الفيدرالي للرفع مجدداً — وسيصبح احتمال الركود 50% هو السيناريو الأساسي.
هذه الخطوة ليست تصحيحاً في السوق بل نحن أمام ركود تضخمي. ومع إغلاق هرمز وتنافس على باب المندب، فهو مدفوع بالبحار وخطوط الأنابيب، وليس فقط بالمعروض النقدي.
وعند هذه النقطة لا يكفي أن يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي معدلات أسعار الفائدة للخروج من هذه الأزمة.