يدور سباق التسلح الجديد في قاع المحيط، فبعد أن خضنا صراعاً دام 70 عاماً للسيطرة على سطح البحر، ستكون المعركة القادمة من أجل السيطرة على ما يكمن تحته.
في ربيع عام 2026، داخل أعماق مياه القطب الشمالي بالقرب من أرخبيل سفالبارد النرويجي، اعترضت قوة مهام مشتركة (أمريكية وبريطانية ونرويجية) عملية روسية طالما خشي حلف الناتو وقوعها دون أن يشهدها فعلياً من قبل.
كانت سفن تابعة لوحدة «جوجي» الروسية «GUGI» (وهي المديرية الرئيسية لأبحاث أعماق البحار في روسيا، وتُعد وحدة عسكرية سرية تتبع الرئيس الروسي مباشرة)، تستخدم غواصات قادرة على الغوص لأعماق سحيقة للتدرب على نشر سلاح جديد، لم يكن طوربيداً، بل نظام صُمم لتعطيل كابلات الألياف الضوئية البحرية دون ترك أي أثر يشير إلى وقوع هجوم. وقد أُحبطت العملية قبل وقوع أي أضرار، لكن الرسالة كانت واضحة لا لبس فيها وهي أن شبكة الكابلات التي تمتد لمسافة 1.4 مليون كيلومتر وتنقل 99% من البيانات العابرة للقارات لم تعد مجرد بنية تحتية، بل أصبحت خط مواجهة.
إنه سباق تسلح لم يصوّت لصالحه أحد، وأرقامه تثير الرعب. فهذا صراع على خرطوم ينقل 10 تريليونات دولار يومياً. ويوجد في العالم نحو 560 نظاماً نشطاً للكابلات البحرية، ولو وُضعت هذه الكابلات طرفاً إلى طرف لبلغ طولها 1.4 مليون كيلومتر، أي ما يعادل محيط الأرض 35 مرة، علماً بأن سُمك كل منها يضاهي سُمك خرطوم الحديقة. تنقل هذه الكابلات 99% من حركة الإنترنت الدولية، و95% من الاتصالات الدولية الأمريكية، ومعاملات مالية تُقدر قيمتها ب10 تريليونات دولار يومياً. فمن خلالها تمر تحويلات نظام «سويفت» (SWIFT)، وبيانات الحوسبة السحابية، وبث الطائرات العسكرية المسيرة، وبيانات الأقمار الصناعية القطبية التابعة لوكالة ناسا.
ومع ذلك، فهي تعاني ضعفاً شديداً ومثيراً للاستغراب. ففي يناير 2022، انقطع أحد كابلي الألياف الضوئية في سفالبارد على عمق 2700 متر، ما أدى إلى فقدان محطة «سفالسات» (SvalSat) الأرضية -وهي أكبر محطة تجارية أرضية للأقمار الصناعية في العالم وتخدم أكثر من 130 قمراً صناعياً بما في ذلك أقمار ناسا- نصف سعتها الترددية لمدة 22 يوماً، وبلغت تكلفة الإصلاح 5 ملايين دولار. وقد عثر المحققون النرويجيون على آثار عملية جر في قاع البحر تتطابق مع آثار مرساة سفينة، حيث تبين أن سفينة صيد روسية كانت قد عبرت فوق مسار الكابل 20 مرة، ومع ذلك لم تُوجه اتهامات لأي طرف. كان تحديد السبب مستحيلاً. وفي مارس 2024، تضررت ثلاثة كابلات قبالة أبيدجان جراء انهيار أرضي تحت سطح البحر، وقد فقدت 13 دولة في غرب إفريقيا ما بين 70 و90% من سعة الإنترنت لمدة ثلاثة أيام.
وتوقفت البنوك في نيجيريا عن العمل. وفقدت المستشفيات في ليبيريا سجلاتها الطبية السحابية. كان ذلك حادثاً عرضياً. وضعت شركة لويدز لندن نموذجاً لسيناريو متعمد يقول إن تعطل الكابلات العابرة للمحيط الأطلسي في وقت واحد سيكلف 3.5 مليار دولار يومياً في تأخير التسويات التجارية وحدها. لا يوجد إلا نحو 60 سفينة لإصلاح الكابلات في العالم.
يستغرق إصلاح كابل في المياه العميقة ما بين 15 و25 يوماً بتكلفة تتراوح بين 2 و3 ملايين دولار يومياً. إذا انقطعت ستة كابلات في وقت واحد، فلن يكون هناك عدد كافٍ من السفن لإصلاحها في شهر. يُعد البحر الأحمر وحده نقطة اختناق حيث تحمل 17 كابلاً 30% من حركة المرور بين أوروبا وآسيا. كما أن مضيق لوزون قبالة تايوان ومناطق الإنزال في نيوجيرسي ومرسيليا تشهد تركيزاً مماثلاً. اللاعبون: جوجي، وبروتيوس، والغواصات المتسكعة.
حرب قاع البحر
هذه ليست لعبة شطرنج غواصات الحرب الباردة، بل هي حرب قاع البحر، وثلاث قوى تستعد لها. في روسيا، تشغل جوجي ست غواصات صواريخ باليستية نووية مُعدّلة، مثل BS-64 بودموسكوفي، تعمل كل منها كسفينة أم لغواصات صغيرة. أشهرها، لوشاريك (AS-12)، قادرة على الغوص إلى عمق 6000 متر - أعمق من قدرة الإنقاذ لدى الناتو – ويمكنها التسكع لأيام.
قال قائد البحرية البريطانية، الأدميرال بن كي، في عام 2025: «لقد شهدنا عودة قدرات جوجي تحت سطح البحر بعد فترة من المشاكل». وحذر المستشار الألماني ميرز الأسبوع الماضي من أن: «روسيا تبني فئة جديدة من الغواصات مصممة لتدمير الكابلات وخطوط الأنابيب والبنية التحتية تحت سطح البحر». ولديها عقيدة «متغيرة» - فهي تقوم برسم خرائط الكابلات في وقت السلم، ثم في الحرب تنشر أجهزة تشويش غير حركية تُضعف جودة الإشارة لتبدو وكأنها عطل في المعدات.
وقد تأخرت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في الانضمام إلى اللعبة، لكنهما تنفقان بسرعة. أنشأ حلف شمال الأطلسي خلية تنسيق البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر في عام 2024 في نورثوود. وتكشف الميزانيات المرصودة عن برنامج البحرية الأمريكية للمركبة الغاطسة غير المأهولة الفائقة الحجم «أوركا» (Orca) وحرب قاع البحر بتكلفة 1.8 مليار دولار في السنة المالية 2026. وتنفذ المملكة المتحدة برنامج المراقبة البحرية المتعدد المهام ويضم سفينتين هما «آر إف أيه بروتس» و»سترلينغ كاسل»، بتكلفة 500 مليون دولار، تحملان مركبات ذاتية القيادة لصيد الغواصات قادرة على البقاء مغمورة تحت الماء لمدة 90 يوماً.
النرويج والصين
خصصت النرويج 300 مليون دولار لشبكات أجهزة استشعار في قاع البحر قبالة جزر لوفوتين وجزيرة الدب. وتنفذ كل من فرنسا وإيطاليا برامج جديدة لمراقبة قاع البحر في المتوسط، وذلك بعد أن أثبتت حادثة خط أنابيب «نورد ستريم» أن عمق 80 متراً من المياه وشحنة متفجرات تزن 500 كيلوجرام كافيان لتدمير خط أنابيب.
وتتبع الصين استراتيجية مختلفة تعتمد على حوادث يمكن التنصل من المسؤولية عنها، فقد رسم أسطولها للمسح المحيطي خرائط لأكثر من 80% من مسارات الكابلات في المحيط الهادئ، كما يمكن لمركبتها الغاطسة غير المأهولة الكبيرة الحجم (HSU-001) البقاء مستقرة في قاع البحر لأشهر.
حوادث عرضية في جزر «ماتسو»
قُطعت الكابلات المغذية لجزر «ماتسو» التايوانية (التي يقطنها 14 ألف نسمة) مرة في فبراير 2023 ومجدداً في فبراير 2025، بفعل سحب مراسي سفن صيد وشحن صينية، ما أدى إلى انقطاع الخدمة عن الجزر لمدة 50 يوماً، في حين وصفت بكين هذه الوقائع بأنها مجرد حوادث عرضية.
وقد تنبه السوق لهذا الأمر، إذ بلغ الإنفاق العالمي على أمن الكابلات البحرية 1.2 مليار دولار في عام 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى 4.1 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي يبلغ 19%، وهو معدل يفوق نمو قطاع الأمن السيبراني.