إذا كان دور الجيوش هو الدفاع عن سيادة الوطن، وحماية حدوده ومياهه ومجاله الجوي، وقبل ذلك حماية مواطنيه، والحفاظ على استقرارهم وأمنهم، فإن ما يجري في السودان عكس ذلك تماماً، إذ تحولت القوات المسلحة بما فيها الجيش، وقوات الدعم السريع، إلى أداة لتمزيق وحدة البلاد وتحويلها إلى مساحات للصراع على السلطة، وبات الشعب السوداني وحده الضحية الذي يدفع الثمن، إما قتلاً وإما لجوءاً أو جوعاً.
منذ اختطاف السودان في 15 إبريل/نيسان 2023، على يد الزمرة العسكرية، دخل في أتون حرب أدت إلى كوارث متتالية، تتمثل بتدمير أحياء سكنية ومخيمات لجوء ومستشفيات وبنى تحتية وجامعات، وعمليات قتل واغتصاب على أسس عنصرية وقبلية، واستخدام أسلحة محرمة، إضافة إلى ملايين الهاربين من أتون الحرب إلى داخل السودان وخارجه الذين باتوا يشكلون عبئاً على الإمكانات المتوفرة لدى المنظمات الإنسانية التي باتت عاجزة عن توفير ما يلزم من مساعدات غذائية، إذ حذر برنامج الغذاء العالمي من تفاقم أزمة الجوع المصنفة الأكبر عالمياً، مع تزايد وتيرة أعداد الجياع مقابل تراجع حاد في التمويل الإنساني، بعدما تجاوز عدد الجياع 20 مليون نسمة، والتحذير من نفاد مخزون الإيواء والمياه والصرف الصحي بنهاية سبتمبر/أيلول الحالي.
وهكذا أصبح برنامج الغذاء العالمي أمام معادلة قاسية: الاحتياجات تتزايد، لكن الأموال المتاحة تتراجع بصورة حادة، فقد انخفض التمويل من نحو 645 مليون دولار خلال العام الماضي إلى قرابة 206 ملايين دولار هذا العام، بينما يحتاج إلى نحو 300 مليون دولار إضافية للمحافظة على المستوى الحالي من الاستجابة، وحتى هذا المبلغ لا يغطي سوى الجزء البسيط من الاحتياجات، فالبرنامج يصل شهرياً إلى ما بين 4 و5 ملايين شخص فقط من أصل نحو 20 مليوناً يعانون الجوع.
هذه الأرقام الصادمة لا تعني سلطة بورتسودان ولا قوات الدعم السريع، وتلقى منهما آذاناً صماء، لأنهما في واد والشعب السوداني في واد آخر، ولا يهمهما إن جاع أو تهجر أو قتل، أو حتى تعرض للإبادة، لأن السلطة والنفوذ تعمي أبصارهما عن الكارثة التي كانا سببها.
لكل ذلك، ما برحت دولة الإمارات ترفع الصوت عالياً مطالبة بوقف هذه المذبحة، ودعم مسار سلمي وديمقراطي، وإطلاق عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية، بما يعكس تطلعات الشعب السوداني، وفرض حظر على توريد الأسلحة، ليشمل كل أنحاء السودان، وتطبيقه على جميع الأطراف المتحاربة والشبكات التي تزودها، إضافة إلى الدور الإنساني وما تقدمه من مساعدات للشعب السوداني.
لعل ما طرحه مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية مؤخراً، من أفكار تؤدي إلى الدفع بجهود التسوية إلى مستوى جديد، وذلك من خلال تأكيده أن واشنطن لا ترى مستقبلاً سياسياً لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، أو قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وأنها تدعم انتقالاً سريعاً وسلمياً إلى حكم مدني بعيداً عن الرجلين، وهو موقف مستجد يتجاوز إقناع الرجلين بوقف الحرب والتفاوض على تسوية، إلى إعلان رفض بقائهما في المشاركة بقيادة السودان بعد الحرب.
لكن يبقى السؤال: كيف يمكن إقناع أميري الحرب بالتنحي، وقد قررا أن يظل السودان مختطفاً، وأن يدفع الشعب السوداني الفدية قتلاً وتشريداً وجوعاً.