الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الذكاء الاصطناعي.. غُنم أمريكي وغُرم أوروبي

24 سبتمبر 2026 22:57 مساء | آخر تحديث: 24 سبتمبر 22:58 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
سرّحت شركة «أكسنتشر»، عملاق الاستشارات الإدارية 11 ألف موظف؛ لأن برنامج دردشة ذكياً قادراً على إنتاج كلام فارغ لا معنى له حول «غلي المحيط» بنفس كفاءة خريج ماجستير إدارة أعمال حديث التعيين.
كما قلّصت شركة «أوراكل» أكثر من 20 ألف وظيفة، بعد أن اكتشفت أن برنامج «كلود» أو «تشات جي بي تي» قادر على البرمجة بكفاءة مماثلة لكفاءة الشخص الهادئ ذي الكفاءة العالية، بينما تعمل شركة «بيكر ماكنزي»، عملاق القانون، على تسريح ما يصل إلى ألف موظف بعد أن اكتشفت أن آلة قادرة على كتابة مذكرة حول «الطرف المذكور آنفاً» بدرجة كفاءة تعادل أياً من محاميها المبتدئين.
ولا يكاد يمر يوم دون أن تقع دفعة جديدة من المهنيين ذوي الياقات البيضاء ضحية لكارثة الوظائف التي يقودها الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، ورغم أن الأمر واقعي، إلا أن هناك جانباً لم يلحظه الكثيرون بعد، مفاده أن أمريكا سوف تتجاوز هذه الأزمة بشكل أفضل بكثير من منافسيها، بينما ستكون أوروبا الخاسر الأكبر.
هناك بالفعل ردود فعل غاضبة تجاه عدد الوظائف التي فقدتها شركات الذكاء الاصطناعي. فقبل أيام، اقتحم متظاهرون مكاتب جماعات الضغط التابعة لشركة «تشات جي بي تي» في واشنطن رافعين شعار «كفوا عن سرقة مستقبلنا». ومع ذلك، من السهل إغفال نقطة بسيطة، وهي أن هذه الأزمة تؤثر في القارات المختلفة بطرق متباينة. وقد بدأ تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في شركة «أبولو» الاستثمارية العملاقة، بتتبع التباين بين سوقي العمل الفرنسي والأمريكي.
ويبدو أن الاختلافات صارخة. فقد ارتفع معدل البطالة في فرنسا إلى 8.3% في الربع الثاني من عام 2026، وهو أعلى مستوى له منذ بدء الجائحة، والأهم من ذلك، تجاوزت بطالة الشباب 21%. وعلى مدار عام واحد، ورغم وعود الرئيس ماكرون بإعادة الفرنسيين إلى سوق العمل، ارتفع إجمالي عدد العاطلين عن العمل في فرنسا بأكثر من 260 ألف عامل خلال العام الماضي. صحيح أن فرنسا، بقوانينها العمالية الصارمة (بالنسبة لأصحاب العمل)، قد تكون حالة شاذة. لكن البطالة تتزايد في بريطانيا أيضاً، وفي ألمانيا، حيث وصلت إلى 6.4% في يوليو/تموز، وتقترب من تجاوز حاجز الثلاثة ملايين عاطل عن العمل، وهو حاجز حساس سياسياً. وقد صارت فرص العمل شحيحة في جميع الاقتصادات الكبرى في القارة.
يختلف الوضع تماماً على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. صحيح أن بعض أرقام خلق فرص العمل الأخيرة كانت مخيبة للآمال بعض الشيء، وأن معدل المشاركة في سوق العمل يتراجع مع خروج العمال من السوق. لكن هل يُنذر الذكاء الاصطناعي بكارثة؟ ليس تماماً. فمعدل البطالة يبلغ 4.1% فقط، أي نصف المعدل الفرنسي تقريباً، بينما تم استحداث 103 آلاف وظيفة في مايو/أيار ويونيو/حزيران، متجاوزاً بذلك الانخفاض الطفيف في يوليو/تموز. يُضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة تواجه أيضاً تبعات فرض الرسوم الجمركية، وما يترتب على ذلك من اضطرابات في سلاسل التوريد، والانخفاض الحاد في الهجرة، ما يُسبب نقصاً في العمالة في مختلف القطاعات، ومع ذلك، فإن وضع التوظيف يبدو جيداً.
ما الذي يحدث؟ ففي نهاية المطاف، من المفترض أن يؤثر الذكاء الاصطناعي في جميع الاقتصادات الكبرى بنفس الطريقة. يمكنك استبدال محاسبك بكلود بسهولة تامة في برمنغهام، إنجلترا، كما هي الحال في برمنغهام، ألاباما، ويمكن استبدال المساعد القانوني بجيميني بنفس السهولة في أورليانز القديمة كما هي الحال في الجديدة. يُعدّ انتشار روبوتات الدردشة الذكية ظاهرة عالمية، ومعدل تبنيها من قبل الشركات، بل والقطاع العام أيضاً، متقارب في كل مكان. ينبغي أن يستفيد منها الجميع بالتساوي.
والواقع أن الروبوتات سوف تستحوذ على جميع وظائفنا. فسوق العمل في أوروبا وأمريكا يتأثر بنفس الطريقة تماماً. الفرق هو أن أمريكا تشهد طفرة معاكسة. ففي الولايات المتحدة، بينما يقضي الذكاء الاصطناعي على بعض الوظائف، فإنه يخلق أيضاً الكثير منها. من المتوقع أن تنفق شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية العملاقة ما بين 660 و725 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هذا العام وحده، أي ما يقارب ضعف ما أنفقته في عام 2025.
إنها واحدة من أكبر فترات الإنفاق الرأسمالي على الإطلاق، وربما لا تُقارن إلا بطفرة السكك الحديدية الكبرى في القرن التاسع عشر. الفرق هو أنه بينما كان بناء السكك الحديدية عالمياً، فإن الذكاء الاصطناعي يُبنى في الغالب على الأراضي الأمريكية. كل هذا الإنفاق يمتد أثره إلى الاقتصاد الأوسع. فقد كشف تقرير صادر عن معهد «بروكينغز» أنه في المناطق التي تم فيها بناء مراكز البيانات، ارتفع التوظيف المحلي في وظائف مثل معالجة المعلومات بنسبة 56%. كما اتضح أنه لا يمكنك إنفاق 700 مليار دولار سنوياً دون خلق بعض الوظائف، مهما بلغت درجة تقدمك التكنولوجي.
على النقيض من ذلك، لا تشهد أوروبا طفرة مماثلة. يُقدّر الإنفاق الرأسمالي في الاتحاد الأوروبي على الذكاء الاصطناعي بنحو 46 مليار دولار فقط هذا العام، بينما تخطط المفوضية الأوروبية في بروكسل لإنفاق 10 مليارات دولار إضافية من الأموال العامة. وهذا يُعادل 8% فقط من الإنفاق الأمريكي. بعبارة أخرى، تتحمل أسواق العمل الأوروبية العبء الأكبر من انتشار الذكاء الاصطناعي، دون أن تجني أي فائدة تُذكر. تُفقد الوظائف بنفس الوتيرة، دون أن تُستحدث وظائف جديدة.
والخلاصة: تشهد أمريكا جانبي عملية «التدمير الخلّاق»، بينما لا تنال أوروبا سوى نصفها، وللأسف هو جانب «التدمير» في هذه المعادلة.
*محلل مالي وكاتب عمود
له عدة مؤلفات «ذا سبيكتاتور»

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة