الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فاطمة المزروعي: الرواية الراهنة بلا عمق أو طبقات نفسية

  • القراءة خرجت من دوائر النخبة إلى الحياة اليومية
27 سبتمبر 2026 23:11 مساء | آخر تحديث: 27 سبتمبر 23:13 2026
دقائق القراءة - 5
شارك
share
فاطمة المزروعي
فاطمة المزروعي
icon الخلاصة icon
المزروعي ترى الرواية العربية تميل للبساطة والوضوح فتفقد العمق؛ السوشيال والجوائز تؤثران، وهي تحول طبيعي واختبار للذائقة
في هذا الحوار ترصد الكاتبة فاطمة المزروعي التحولات التي تشهدها الرواية العربية اليوم، من انتشار الروايات السهلة وتبدل ذائقة القرّاء، إلى تأثير الجوائز الأدبية ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل هذا الواقع الجديد، لنستكشف ما إذا كانت الرواية العربية تواجه أزمة فعلية أم تمر بمرحلة تحول طبيعية.
** في ضوء التحولات التي تشهدها الرواية اليوم، هل تعتقدين أنها باتت تميل أكثر نحو الحكاية المباشرة والبسيطة، على حساب البنية الفنية المعقدة في اللغة والسرد؟
أشعر أحياناً أن الرواية العربية اليوم تميل إلى الوضوح الزائد، أكثر من السرد الذي فيه مساحة للغموض أو التأويل، وكأن الكاتب يريد أن يفهم النص من أول قراءة ولا يرهق القارئ.
ولكنني شخصياً أحن إلى ذلك النوع من الكتابة الذي لا يكشف نفسه بسهولة، الذي يجعلني أتوقف وأعود، وأعيد التفكير، فالرواية الحقيقية ليست فقط ما يقال، بل ما يخفى، ما يلمح إليه، ما يترك للقارئ ليكتشفه بنفسه، في الماضي، كانت الرواية تدخلك إلى داخل عالم معقد، لا تفهمه بالكامل، لكنك تشعر به، أما الآن، فكثير من النصوص تبدو وكأنها تقدم جاهزة بلا عمق وبلا طبقات نفسية.
لكنني، رغم ذلك، لا أريد أن أكون قاسية، ربما هذه البساطة هي محاولة للوصول، وليست دليلاً على الفقر في الكلمات أو العبارات أو حتى في الحبكة، وربما المشكلة ليست في البساطة نفسها، بل في غياب العمق داخلها.
** في حديثك تلمحين إلى أن كثيراً من الروايات باتت واضحة أكثر من اللازم، هل بذلك تفقد الرواية العربية شيئاً من غموضها الجميل؟
في الحقيقة حين نتأمل هذه الظاهرة، نشعر أننا أمام مفارقة حقيقية، فمن جهة، لا يمكننا إلا أن نفرح، والسبب أن فكرة القراءة خرجت من دوائر النخبة إلى الحياة اليومية، وأن الرواية لم تعد تجربة ثقيلة أو مخيفة، وهذا في حد ذاته نعتبره إنجازاً لا يمكن التقليل من قيمته.
لكننا لو فكرنا من زاوية أعمق فإننا نخشى أن تتحول هذه السهولة إلى سقف للرواية، بحيث يعتاد القارئ النص السهل الذي لا يتطلب منه جهداً، فلا يعود قادراً على الصبر أمام نص أكثر تعقيداً أو كثافة.
أخشى أن يصبح الأدب مثل المحتوى الرقمي، يستهلك بسرعة، وينسى بسرعة، ولطالما كان لدي قناعة كبيرة أن الرواية الجيدة لا تنسى، تبقى تكشف عن نفسها في كل قراءة جديدة، في فترات كثيرة مرت علينا روايات خلدها التاريخ ولا يزال يعيدها إلينا ونتذكرها بشكل مستمر، لذلك لا أستطيع أن أحكم على هذه الظاهرة بشكل قاطع. أراها فرصة، نعم، لكنها أيضاً اختبار لذائقتنا، ولقدرتنا على التمييز بين ما يمتعنا لحظة، وما يغيرنا على المدى الطويل.
طريقة حياة
** هل ترين أن الرواية العربية تحولت من الاشتباك مع القضايا الكبرى إلى التركيز على التجارب الفردية؟
نعم، هذا التحول موجود بالفعل، وهو لا يتعلق بالأدب وحده، بل بطريقة عيشنا اليوم، نحن نعيش في زمن يشعر فيه الإنسان بأنه أكثر عزلة وأكثر انشغالاً بأسئلته الخاصة، لذلك، أصبحت الرواية أقرب إلى الداخل في تركيزها على أمور ومفاهيم عميقة، تقودنا إلى القلق، إلى الذاكرة، إلى العلاقات، إلى الأسئلة الصغيرة التي لا تبدو صغيرة حين نعيشها.
لكن، في الوقت نفسه، أشعر أن الرواية التي تكتفي بالفرد، قد تفقد قدرتها على فهم العالم، لذا نحن بحاجة إلى أن نكتب عن الإنسان، نعم، لكن دون أن ننسى أنه يعيش داخل مجتمع، داخل تاريخ، داخل سياق أكبر. الرواية في نظري، تصبح أعمق حين تربط بين التجربة الشخصية والعالم الأوسع.

عودة

** برأيك هل العودة إلى الحكاية التقليدية في بعض الروايات اليوم تطور أم تراجع؟
لا أراها تراجعاً بالضرورة، الحكاية هي أصل السرد، والعودة إليها قد تكون عودة إلى الجذر لا إلى الخلف. لكن المسألة ليست في الحكاية نفسها، بل في الكيفية التي تُبنى بها.
هناك حكايات تروى لمجرد التسلية وتنتهي بسرعة، وهناك حكايات تحمل طبقات من المعنى والأسئلة والتوتر الإنساني، وهذه هي التي تبقى. لذلك لا أظن أن الشكل وحده هو المشكلة، بل ما إذا كان الكاتب يستخدم الحكاية كغاية نهائية، أم كوسيلة للوصول إلى معنى أعمق.
** من خلال قراءتك للمشهد الروائي، هل ترين أن القارئ العربي قد تغير في السنوات الأخيرة؟
اعتقد أن القارئ اليوم يعيش تحت ضغط السرعة والتشتت وتدفق المحتوى، وهذا غيّر علاقته بالنص. لم تعد لديه دائماً القدرة نفسها على التفرغ الطويل للقراءة كما في السابق.
لكنني لا أعتقد أن القارئ فقد رغبته في العمق، بل ربما لم يعد يجد دائماً النص الذي يدفعه إليه، القارئ لا يزال يبحث عن كتابة حقيقية تمسه، حتى لو كانت صعبة.
لكن الأمر المهم هنا ليس في القارئ وحده، بل في الكتابة أيضاً، وهل حاول الأدب أن يواكب العصر دون أن يفقد جوهره، أم أنه استسلم بالكامل لإيقاع السرعة.
** بالحديث عن عصر التقنيات، إلى أي مدى أثرت وسائل التواصل الاجتماعي في شكل الرواية ولغتها؟
بلا شك وسائل التواصل أثرت بوضوح في علاقتنا باللغة، فالجملة المستخدمة في لغتنا اليومية أصبحت أقصر، والإيقاع أسرع وأكثر مباشرة، وهذا ترك أثره على كثير من النصوص السردية.
لذا أحياناً أشعر أن الرواية تأثرت بذلك، فقدت شيئاً من النفس الطويل، ومن ذلك التدرج الذي يسمح للفكرة بأن تنمو داخل النص، لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن هذه الوسائل قربت الأدب من جمهور جديد، وأعادت الرواية إلى واجهة النقاش العام.
لذلك أرى أن المشكلة ليست في الوسيلة نفسها، بل في طريقة التفاعل معها، وهل نستثمرها لتوسيع حضور الأدب، أم نسمح لها بأن تفرض منطقه الكامل على الكتابة.

معيار خفي

** بالانتقال إلى محور الجوائز، هل أثرت الجوائز الأدبية في شكل الرواية وموضوعاتها؟
الجوائز لعبت دوراً مهماً في إبراز الرواية العربية ومنحت كثير من الكتاب فرصة الانتشار والاعتراف، وهذا جانب لا يمكن إنكاره، لكن المشكلة تكمن حين تكتب بعض الروايات وهي تنظر إلى لجنة التحكيم، لا إلى القارئ، ولا إلى التجربة الإنسانية نفسها. ويتم اختيار موضوعات معينة لأنها موضوعات مرشحة، وكأن هناك قالباً غير معلن للرواية التي يمكن أن تفوز.
وهذا، في رأيي، هو الخطر الحقيقي. ليس في الجوائز نفسها، بل في أن تتحول إلى معيار خفي يوجّه الكتابة. ومع ذلك، لا أريد أن يكون هناك أحكام قاسية على الجوائز، فهناك أعمال عظيمة فازت بجوائز، وهناك كتاب كتبوا بصدق كامل رغم وجود هذا الضغط غير المرئي. لذلك، ربما المسألة تعود في النهاية إلى الكاتب نفسه: هل يكتب لأنه يريد أن يقول شيئاً، أم لأنه يريد أن يكافأ.
** في ضوء كل هذه التحولات، هل تعيش الرواية العربية أزمة، أم أنها ببساطة تتغير تغيراً طبيعياً؟
أميل إلى القول إنها تتغير أكثر مما تعيش أزمة، كلمة «أزمة» قد تكون مضللة أحياناً، لأنها توحي بأن ما يحدث تراجع خالص، بينما الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
كل مرحلة انتقالية تبدو مرتبكة من داخلها، وهذا ما نراه الآن: تجريب، وتذبذب، وتفاوت في المستويات، وأسئلة كثيرة حول الشكل والمضمون.
لكن الأدب الحقيقي هو الأدب الذي يثير القلق والأسئلة، لا الأدب الذي يظل ثابتاً ومطمئناً، لذلك أرى أن الرواية العربية تمر بمرحلة تحول عميقة، وربما لن نفهم ملامحها كاملة إلا بعد سنوات.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة