الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مناورة نتنياهو الأخيرة

27 سبتمبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 27 سبتمبر 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في لحظات الصراع الكبرى، قد يبدو التفوق العسكري والبلاغة الخطابية كأنهما دليل حاسم على قوة لا تُقهر، الاعتلاء المبتكر لخشبة المنبر الأممي من قِبل بنيامين نتنياهو، النبرة التصعيدية، واستخدام الأدوات البصرية، كلها عوامل تمنح صاحبها شعوراً مؤقتاً بالتفوق، لكن التاريخ يروي قصصاً مختلفة تماماً، فالاستعراض ليس انتصاراً، والقدرة على الجلبة لا تعني القدرة على الفوز.
لم تكن كلمات نتنياهو الموجهة إلى الجمعية العامة سوى غلاف خارجي لرسالة تتجاوز حدود المنبر الدولي، إذ طغى البُعد التكتيكي الداخلي على الخطاب، مكرساً مسرح الأمم المتحدة كأداة دعاية تستهدف الناخب الإسرائيلي قبل الأسابيع الحاسمة من الاستحقاق الانتخابي.
هذا الاستعراض الفصيح باللغة الإنجليزية، واستخدام الأدوات البصرية الحية، يعكسان محاولة مدروسة لاستعادة صورة «الحارس الخارق» الذي يخوض المعركة بمفرده أمام ضغوط متزايدة، محاولاً التغطية على تصاعد الأصوات المطالبة بصفقة إنقاذ عاجلة.
يسعى نتنياهو لامتصاص التراجع الانتخابي لمعسكره الداخلي، حيث تشير أحدث الاستطلاعات إلى تجمد كتلته عند 52 مقعداً مقابل 57 مقعداً للمعارضة، ما يجعل الوصول لنصاب ال61 مقعداً للتأليف الحكومي دافعاً أساسياً لتحويل المنبر الدولي إلى منصة تجيش للشارع اليميني، فبدلاً من تقديم كشف حساب ملموس حول كلفة الاستنزاف، فضل استخدام نبرة التحدي لامتصاص غضب الجبهة الداخلية.
لا تتوقف هذه المناورة عند حدود المنظومة الأممية، بل تتفرع مباشرة لتصادميّة مع الشارع الأمريكي والقيادات المحلية، إذ ترافقت كلمة نتنياهو مع تحركات ميدانية خارج المبنى أسفرت عن توقيف أكثر من 103 متظاهرين من قِبل شرطة نيويورك، وكان بينهم أكثر من 10 مسؤولين ومرشحين بارزين في الانتخابات المحلية والأمريكية.
أظهر هذا المشهد المتشابك كيف يستفيد نتنياهو من هذا الاستقطاب ليعزز مقولته الأزلية للداخل: إنه السياسي الوحيد القادر على مجابهة الاشتراطات الخارجية والوقوف في وجه المخططات التي تمس الأمن القومي.
الاستعراض فوق المنبر لم يفلح في حجب قلق الشارع الإسرائيلي المتزايد من غياب خريطة طريق واضحة ل«اليوم التالي» في غزة، أو إيجاد حلول ملموسة لكلفة حرب الاستنزاف الباهظة.
يضع هذا التناقض القيادة الإسرائيلية أمام حقيقة أن الخطابات الفصيحة قد تمنح مكاسب انتخابية مؤقتة، لكنها لا تعالج تعقيدات الميدان.
تجتمع هذه القراءات لتؤكد أن خطاب نيويورك لم يكن سوى محطة ضمن استراتيجية الهروب إلى الأمام، حيث تحولت المنصة الدولية إلى ساحة استعراض انتخابي يعيد رسم أولويات القيادة الإسرائيلية وفق معادلة البقاء السياسي، وتصدير الأزمات الداخلية إلى الشاشة العالمية، في رهان يقدم حسابات الصناديق على الاستقرار الميداني المفقود، لتظل هذه الرقصة الأخيرة استعراضاً بليغاً فوق حافة الهاوية السياسية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة