الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
نولان يقرأ أسطورة هوميروس من زوايا جديدة

«الأوديسة» غوص في أعماق النفس البشرية

27 سبتمبر 2026 23:24 مساء | آخر تحديث: 27 سبتمبر 23:33 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
icon الخلاصة icon
نولان يعيد قراءة «الأوديسة» كرحلة نفسية عن الحرب والهوية بواقعية تصويرية، مبرزاً تناقضات أوديسيوس ورموز الشخصيات والطبيعة
لم نعد في زمن تحيا فيه الأساطير القديمة وتولد من جديد في المدارس وعلى المسارح ويتداولها الناس ويعيد قراءتها الشباب، ولا أبناء اليوم يصدقون الخرافات والميثولوجيا القديمة ولا يحفظون أبيات الشعر وحكايات الإغريق.. فلماذا جازف مخرج بحجم كريستوفر نولان بإعادة إحياء هوميروس من خلال فيلم عنوانه صريح ومباشر وأحداثه لا تعتمد الإيحاءات والإسقاط والتلميح من بعيد، بل تعرض مباشرة «الأوديسة» بكل تفاصيلها؟ ولماذا نجحت المغامرة وحقق الفيلم نجاحاً مبهراً ومازال يعرض في الصالات حتى اليوم، وتجاوزت إيراداته المليار دولار عالمياً، وشاهده جمهور من مختلف الأعمار والثقافات؟
من يعشق السينما ويقرأ الأفلام بعمق وتمعن، يعرف أن هناك من المخرجين من يصنع الأفلام وهناك من يصنع حياة داخل الأفلام، وكأنه يعيد خلق مفاهيم وقراءة الأحداث من زوايا جديدة ومختلفة، وكريستوفر نولان من هؤلاء المخرجين المتميزين الذين يحملون إلينا مجموعة رسائل ويصوغون أفكارهم في قوالب سينمائية مبهرة، لذلك تناوله ل «الأوديسة» لم يكن مجرد اقتباس لواحدة من أعظم ملاحم التاريخ، بل مواجهة مع نصّ تأسست عليه حكايات الإنسان عن الحرب، والحب، والسلطة، والخيانة، والوفاء، والإغراء، والانتظار، والأمل والعودة. فيلم حوّل فيه نولان رائعة هوميروس الفلسفية إلى رحلة داخل النفس البشرية. ملحمة سينمائية ستعيش طويلاً في ذاكرة السينما، وتستحق إعادة مشاهدتها أكثر من مرة واكتشاف تفاصيل رائعة هوميروس قديماً ونولان حديثاً.
من الخطأ التعامل مع «الأوديسة» باعتبارها حكاية مغامرات عن بطل يريد العودة إلى وطنه، فالمغامرات هي القشرة تحتها حكاية أكثر قسوة عن رجل خرج من الحرب منتصراً، ثم اكتشف أن الحرب لم تنتهِ بالنسبة إليه، والأهم اكتشافه أن الانتصار في الحروب هو خسارة للبشرية، انتصار يكون ثمنه قتل البراءة وزيادة التوحش والأطماع في النفس البشرية، ويذهب ضحيته أبرياء من نساء وأطفال وعائلات لا ذنب لهم ولا علاقة لهم في السياسة ولا في أطماع القادة ولا في الاحتلال واغتصاب الأراضي وهدم البيوت وإحراقها، ، وربما من أجمل المشاهد التي تعلق في أذهاننا بعد مشاهدة «الأوديسة»، مشهد خروج أوديسيوس وجيشه من حصان طروادة ودخولهم المدينة واحتلالها، حيث يركز نولان على مشاهد النيران والهدم والبيوت والآثار والبشر الأبرياء أكثر من تركيزه على الحرب بين الجيشين.
إنها عبقرية هوميروس في المزج بين الأسطورة الخيالية والواقع، لم يجعل أوديسيوس بطلاً كاملاً، فهو ذكي ومخادع في نفس الوقت، شجاع ومستسلم في أوقات الضعف، يملك إرادة صلبة وقابل للإغواء أيضاً، محب لزوجته لكنه يظل بشراً تحاصره الرغبات.. وهنا تبرز براعة المخرج نولان في التركيز على هذه النقاط كي يلتقط المشاهد إشارات هوميروس ويفهم أن البطل ليس نموذجاً مثالياً في كل شيء، ولا خارقاً بلا أي أخطاء، وأن النفس البشرية تقود كل إنسان إلى العيش في صراعات والسقوط حيناً والنهوض أحياناً، والعيش بين انكسار وانتصار. أوديسيوس الذي خرج من حرب طروادة منتصراً، لا يعود إلى وطنه إيثاكا بل يعيش سنوات من التيه تفصله عن أرضه وبيته وزوجته وابنه الوحيد، وفي كل محطة من محطات الرحلة يخسر شيئاً من يقينه، ويكتشف شيئاً من ضعفه. هذا الجوهر الذي التقطه نولان بعيداً عن الشكل الأسطوري، الرجل الذي يستطيع أن يهزم الآخرين قد يعجز عن هزيمة نفسه.
كيف استغل نولان الطبيعة لتعبّر عن مضمون القصة وأبطالها وصراعاتهم الداخلية؟ علماً أن المخرج لم يستعن بالتقنيات الحديثة والإيحاءات الوهمية بل تعمّد التصوير الحقيقي والواقعي في أماكن ومواقع حقيقية.. البحر مثلاً ليس مجرد مساحة جغرافية تفصل أوديسيوس عن بيته ووطنه، بل هو المجهول، والفوضى، والقلق، والتخبط النفسي والزمن الذي لا يمكن السيطرة عليه، كل موجة تدفع البطل إلى مكان أبعد، وكل جزيرة تمنحه فرصة للنجاة لكنها تؤخر وصوله. وكأن القدر يعاند البطل ويضعه أمام امتحان مستمر، والعودة تثير مخاوف وتساؤلات، هل زوجته مازالت تنتظره؟ وهل الابن مازال يحن إلى أبيه ويحتاج لوجوده بجانبه؟ إذا أردنا الربط بين الأسطورة القديمة والحاضر، نكتشف أننا أمام عوالم متشابهة، فنحن نعيش في زمن الحروب والتهجير واستحالة عودة بعض الشعوب إلى بيوتها وأراضيها وأوطانها، صراعات نفسية كثيرة وانكسارات وهزائم واختبارات للنفس البشرية وقدرتها على التمسك بالإيمان والقوة والحب والوفاء والوطن.

أهمية

كل الشخصيات مهمة حتى تلك التي اعتبرها البعض مجرد ظهور شرفي مثل شارليز ثيرون التي جسدت دور كاليبسو، فهي ليست مجرد امرأة تؤخر عودة البطل، بل هي إغراء الحياة السهلة الجميلة التي تغري الإنسان كي يسلك طريقها ويتراجع عن التحديات ويهرب من كل الصعاب. آن هاثاواي هي بينيلوبي الزوجة التي واجهت بقوة وإرادة كل المغريات التي قدمها لها الطامعون في العرش وفي الزواج منها بعد غياب زوجها أوديسيوس لسنوات طويلة، رمز للوفاء والنقاء والقوة. بينما لعب توم هولاند دور الابن تيليماخوس، الذي يكبر في غياب أبيه، ويحاول إثبات نفسه متمسكاً بصورة عن الأب الذي لم يعرفه. وزيندايا جسدت أثينا رمز البراءة والحكمة التي تقتلها الحروب وأطماع البشر والسياسة.
في أداء مات ديمون تجسيد يلتحم بشخصية أوديسيوس، فنحن لا نرى أمامنا محارباً قوياً يعرف كيف يقود الرجال، بل الأهم أننا نرى في أداء ديمون التناقض بين القوة والضعف، والانتصار والندم، العجز والإرادة.. ديمون، بما يملكه من قدرة على الجمع بين الصلابة والهشاشة، مناسب لهذه الازدواجية، وهنا يكمن أيضاً نجاح نولان وديمون في تقديم شخصية بطل لا يراه الجمهور.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة