الدكتور علاء مقدادي – الرئيس التنفيذي لمجموعة رويال هورايزون القابضة – متاجر فزعة
عندما يدخل المستهلك إلى أحد المتاجر ويجد أمامه عشرات الخيارات من الأرز والزيوت والحبوب والمنتجات القادمة من مناطق مختلفة من العالم، يبدو المشهد طبيعياً إلى درجة أننا نادراً ما نتوقف أمامه. نختار ما نحتاج إليه ونواصل يومنا، من دون أن نفكر في المسافة التي قطعتها هذه المنتجات، أو في الطرق والموانئ والأيدي التي مرت بها حتى وصلت إلى رف يبعد أحياناً آلاف الكيلومترات عن مكان إنتاجها.
وراء كل منتج رحلة تبدأ بالمزارع أو المصنع، ثم المورد وعقد الشراء والنقل والشحن والتأمين والتخزين والتوزيع. وكلما تأملت هذه الرحلة أجد أن التجارة الحديثة، رغم ما دخل إليها من تكنولوجيا وبيانات وذكاء اصطناعي، لا تزال تحمل في جوهرها فكرة عرفتها منطقتنا منذ قرون:رحلة الشتاء والصيف.
لم تكن الرحلات التجارية الموسمية مجرد انتقال للبضائع، بل كانت تعبيراً مبكراً عن فهم السوق والموسم والطريق، وعن أهمية بناء العلاقات التي تجعل التجارة ممكنة. ومنذ ذلك الوقت ارتبطت حركة التجارة في المنطقة بفكرة أوسع تجمع بين الغذاء واستمرارية الطرق والاستقرار الذي يسمح بوصول السلع إلى الناس.
تغير شكل الرحلة اليوم، فحلت السفن والطائرات والشاحنات محل القوافل، وأصبحت البيانات تساعدنا على قراءة الطلب وإدارة المخزون ومتابعة حركة السلع، لكن جوهر التجارة بقي قريباً مما كان عليه: أن تعرف من أين تأتي السلعة، وكيف تصل، وأن تكون لديك بدائل عندما تتغير الظروف.
ومن هنا أرى أن الأمن الغذائي أوسع من مجرد توافر الغذاء. فالعالم ينتج كميات هائلة منه ويهدر جزءاً كبيراً من هذا الإنتاج، بينما تواجه مجتمعات أخرى صعوبة في الوصول إليه. وفي مناطق الحروب والنزاعات والكوارث، قد لا تكون المشكلة أن الطعام غير موجود، بل أن الطريق بينه وبين الإنسان الذي يحتاج إليه أصبح أكثر صعوبة.
ولهذا فإن الأمن الغذائي في مفهومه الحديث هو منظومة من الخيارات تشمل تنوع مصادر التوريد، ومخزوناً مدروساً، وقدرات لوجستية متقدمة، وإنتاجاً محلياً متطوراً، وعلاقات تجارية واسعة، وتقنيات تساعد على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وهنا تقدم دولة الإمارات تجربة مهمة؛ فقد حولت موقعها بين الشرق والغرب إلى ميزة اقتصادية، وبنت منظومة متكاملة من الموانئ والمطارات وشبكات النقل والخدمات اللوجستية، بالتوازي مع تطوير الإنتاج الغذائي المحلي والتكنولوجيا الزراعية وإدارة المخزون. وتكمن قوة هذه المنظومة في تكامل عناصرها وتعدد خياراتها.
ومن تجربتي بين العمل الأكاديمي والتنفيذي، أجد أن نجاح التجارة يظهر عندما يصل المنتج من قارة أخرى إلى المستهلك وكأن وجوده على الرف أمر بديهي، من دون أن يشعر بكل ما جرى خلف الكواليس.
لقد تغيرت رحلة الشتاء والصيف، وأصبح العالم اليوم شبكة مترابطة من الأسواق والموانئ والطرق، لكن شيئاً أساسياً لم يتغير: الغذاء يحتاج إلى التجارة، والتجارة تحتاج إلى الطريق، والطريق يحتاج إلى الأمان.
فبين الميناء والمائدة تستمر الرحلة، وتتغير وسائلها وأسواقها، بينما تبقى غايتها واحدة: أن يصل الغذاء إلى الناس، وأن يبقى الطريق إليه آمناً.