الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عبد الله بن زايد.. دبلوماسية الحضور الإماراتي

1 أكتوبر 2026 01:16 صباحًا | آخر تحديث: 1 أكتوبر 01:16 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
د. صلاح الغول
في نيويورك، حيث تتزاحم مصالح العالم وتتنافس الدول على موطئ قدم في المشهد الدولي، لا تبدو حركة سموّ الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، نشاطاً بروتوكولياً على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. فخلال الساعات الاثنتين والسبعين الأولى من الأسبوع رفيع المستوى، عقد الوفد الإماراتي 72 لقاءً ومباحثة ثنائية، كان للشيخ عبد الله بن زايد منها 38 لقاءً مع قادة ووزراء ومسؤولين دوليين. لكن الدلالة الحقيقية لا تكمن في الرقم، بل في الخريطة التي ترسمها هذه اللقاءات.
فالدبلوماسية لا تقاس بكثافة الجدول، وإنما بما تكشفه وجهته عن طبيعة المصالح التي تتحرك الدولة من خلالها. وخريطة لقاءات عبد الله بن زايد لا تنحاز إلى جغرافيا بعينها، ولا تكتفي بالقوى الكبرى، فهي تمتد من كوريا الجنوبية وكندا وروسيا إلى بولندا والمجر والنمسا، ومن المكسيك وباراغواي وفنزويلا إلى غانا ونيجيريا وأوغندا، وصولاً إلى بروناي والمالديف، ونيبال، وتونغا، وبالاو.
وحين تتسع الدائرة إلى هذا الحد، يصبح السؤال الأهم: ماذا تعبّر هذه الحركة عن مؤشرات لموقع الإمارات في العالم؟
المؤشر الأول أن الإمارات تبني حضورها على «شبكة» لا على «محور». ففي نظام دولي تتبدل فيه التحالفات وتتراجع فيه اليقينيات القديمة، تصبح الشراكات المتعددة رصيداً استراتيجياً، إذ لا يتوقف موقع الدولة على علاقة واحدة مهما بلغت متانتها. وفي أروقة الأمم المتحدة، حيث تتقاطع مصالح الدول الكبرى والمتوسطة والصغيرة، تصبح القدرة على بناء جسور متعددة ميزة دبلوماسية مهمة. كما أن الحوار مع من تتباين معهم الإمارات في بعض الملفات، إلى جانب من تتطابق معهم مصالحها، يعكس سياسة تقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
المؤشر الثاني أن الحدود بين السياسة والاقتصاد تكاد تسقط في ممارسة الدبلوماسية الإماراتية. ففي لقاءات وزير الخارجية يحضر الأمن إلى جانب الاستثمار، والطاقة إلى جانب الذكاء الاصطناعي، والمناخ إلى جانب الأمن الغذائي، لأن هذه الملفات أصبحت متداخلة في عالم تتحول فيه التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة إلى عناصر أساسية في معادلات الأمن الوطني.
ولعل انعقاد النسخة الأولى من «مجلس الإمارات للاستثمار» في نيويورك، بتنظيم وزارة الخارجية بالتعاون مع وزارة الاستثمار، يقدم مثالاً واضحاً على هذا التحول. فقد جمع مسؤولين وصناع قرار ومستثمرين وقادة أعمال، وناقش قضايا التجارة الرقمية والموانئ والخدمات اللوجستية والتقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. هنا لا يبدو الاقتصاد ملحقاً بالسياسة الخارجية، بل جزءاً من أدواتها.
وتظهر المقاربة نفسها في مبادرة «مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي» التي أُعلن إطلاقها خلال لقاء سمو الشيخ عبد الله بن زايد مع رئيس الحكومة اللبنانية، ضمن برنامج الإمارات للتبادل المعرفي الحكومي. فالعلاقة هنا تنتقل من تبادل المواقف إلى بناء القدرات، ومن المساعدة الآنية إلى شراكة معرفية أطول مدى.
أما المؤشر الثالث، وربما الأهم، فهو الانتقال من الحضور إلى صناعة الأجندة، فالإمارات لا تكتفي بالمشاركة في القضايا المطروحة، بل تسعى إلى تقديم نفسها شريكاً في ملفات راكمت فيها خبرة وقدرة على التحرك. وملف المياه مثال واضح، فاللقاءات التي عقدها الشيخ عبد الله بن زايد في نيويورك شملت الاستعدادات لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، الذي تستضيفه أبوظبي بالشراكة مع السنغال في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
ويكتسب هذا النشاط دلالة إضافية لأنه يأتي في لحظة دولية شديدة التعقيد، وفي ظل أسئلة متزايدة حول فاعلية النظام متعدد الأطراف.
وهنا يبرز الدور الشخصي للشيخ عبد الله بن زايد. فمنذ توليه حقيبة الخارجية في فبراير/ شباط 2006، راكم الوزير شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وأتاح له هذا الاستمرار معرفة تراكمية بتفاصيل النظام الدولي وتحولاته. لكنه يتحرك في الوقت نفسه ضمن رؤية أوسع للسياسة الخارجية الإماراتية أرساها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تقوم على توسيع الشراكات، والانفتاح على القوى المختلفة، وربط الاستقرار بالتنمية، وتحويل الحضور الدولي إلى شراكات ومصالح متبادلة.
ومع ذلك، فإن كثرة اللقاءات لا تكفي وحدها دليلاً على النفوذ. فالتأثير الفعلي يبدأ حين تتحول الاتصالات إلى تفاهمات، والتفاهمات إلى شراكات، والشراكات إلى نتائج يمكن قياسها. ومن هنا، فإن اختبار هذه الدبلوماسية لا ينتهي في نيويورك، وإنما يبدأ بعدها، عندما تتحول شبكة العلاقات إلى مسارات عمل.
لكن المشهد الذي قدمته نيويورك يكشف شيئاً لا يمكن تجاهله: اتساع المجال الذي تتحرك فيه دولة الإمارات. فوزير خارجيتها ينتقل من الأمن إلى الاقتصاد، ومن الأزمات إلى التكنولوجيا، ومن المياه إلى الاستثمار، ومن العلاقات الثنائية إلى العمل متعدد الأطراف.
وهكذا، كانت الصورة الأهم في نيويورك هي صورة الشيخ عبد الله بن زايد وهو ينتقل من شريك إلى آخر، ومن ملف إلى آخر. ففي هذه الصورة تتحدث الإمارات، لا عن موقعها في العالم فقط، وإنما عن الموقع الذي تريد أن يكون لها فيه. وهنا يصبح الحضور بداية للدور، لا نهايته.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة