تحقيق: سارة المزروعي
قبل ظهور الخزائن الحديثة بصورتها المعروفة اليوم، اعتمدت البيوت الإماراتية على صناديق مختلفة لصون الاحتياجات والمقتنيات، فمنها ما صُنع من المعدن لتحمّل الاستخدام اليومي، ومنها ما اتخذ مظهراً أكثر زخرفة، فيما تميز بعضها بصناعته الخشبية. وتنوّعت هذه الصناديق بين السحّارة، والتنكة، والمندوس، وكان لكل قطعة دورها ومكانها، إذ حُفظت فيها الأواني والمؤن والملابس والعطور والحلي، وغيرها من الأغراض التي احتاجت الأسرة إلى جمعها وصونها.
اختلفت طرائق استخدام هذه القطع ومحتوياتها من أسرة إلى أخرى، بحسب الحاجة والعادات وما يتوافر لديها، لكنها اشتركت في وظيفة أساسية تمثلت في حفظ الأغراض المهمة في مكان معروف وآمن، ومع تغير أسلوب الحياة وتطور وسائل التخزين، تراجع استخدامها اليومي، من دون أن تغيب عن الذاكرة، إذ لا تزال بعض نماذجها حاضرة في المنازل والمجالس والفعاليات التراثية، شاهدة على جانب من تفاصيل الحياة الإماراتية وذاكرة أجيالها السابقة.
السحّارة تحفظ القدور وأدوات الضيوف والملابس
كانت السحّارة من القطع العملية في البيت، وهي صندوق معدني متين يُصنع غالباً من الحديد، ويتميز بقدرته على تحمّل الاستخدام والبقاء لسنوات طويلة. وتعددت محتوياتها وفق احتياجات كل أسرة، فوضعت فيها القدور والأواني وأدوات الضيافة ومستلزمات القهوة والشاي، إلى جانب بعض الملابس والأغراض المنزلية. كما كان التمر بين ما يُحتفظ به فيها، إذ يُخزن في الصيف ليكون متوافراً خلال الشتاء، إلى جانب بعض المواد والأعشاب المستخدمة في البيت، مثل الحناء والسدر والياس واللبان، وكذلك ماء الورد.
تقول أم سيف: السحّارة كانت تحفظ أشياء كثيرة في البيت، من القدور وأدوات الضيوف إلى الملابس، وكانت من القطع التي تعتمد عليها الأسرة في جمع احتياجاتها وحفظها في مكان واحد، خصوصاً الأغراض التي لا تُستخدم بصورة يومية.
المندوس
وكانت السحّارة توضع في إحدى زوايا المنزل أو المطبخ وتُفتح عند الحاجة، كما أتاحت متانتها الاستفادة منها في نقل بعض الأغراض أثناء الرحلات والتنقل.
مقتنيات شخصية
بجانب الصناديق المعدنية العملية، عرفت البيوت التنكة التي اتخذت مظهراً أكثر زخرفة، وارتبطت بصورة أوضح بأغراض النساء، إذ كانت تُستخدم لحفظ الملابس والأقمشة والأحذية والعطور وأدوات الكحل والزينة، إضافة إلى الذهب وبعض المقتنيات الشخصية، لتجمع ما تحتاج إليه المرأة في صندوق واحد.
واختلف شكل التنكة عن السحّارة الأكثر بساطة، إذ ظهرت بألوان لافتة مثل الأصفر والزهري والأزرق والذهبي، وزُين بعضها بالورود والزخارف، كما أضيفت إلى بعض النماذج مرايا صغيرة، ما منحها طابعاً جمالياً إلى جانب وظيفتها العملية.
السحارة
وتستعيد أم أحمد صورة التنكة التي كانت تحتفظ بها والدتها في غرفتها، قائلة: ما زلت أذكر شكلها حتى اليوم، كانت مزينة بورود ملونة بدرجات الأصفر والزهري، وتحيط بها لمسات خضراء عند الأطراف، وكانت والدتي تضع بداخلها أشياءها الخاصة والثمينة، مثل الكحل والمخمرية والعطور والذهب، ثم تغلقها بالمفتاح وتربطه في طرف شيلتها حتى يبقى معها.
وتشير إلى أن حضور التنكة امتد أيضاً إلى تجهيز العروس ونقل زهاب العرس، إذ كانت الأغراض توزع على عدد من التنكات، وتخصص كل واحدة منها لنوع معين، فتحفظ في إحداها الأقمشة والخامات، مثل بوطيرة وبوقليم والثياب المطرزة، بينما تضم أخرى العطور والعود وأدوات الزينة من الكحل والحناء، وتخصص تنكات أخرى لأغراض المنزل، في حين يوضع الذهب في واحدة منفصلة، لتنتقل تجهيزات العروس إلى بيتها الجديد موزعة بحسب نوعها واستخدامها.
مستلزمات خاصة
كان المندوس مختلفاً في مادته وشكله، إذ يُصنع من الخشب المتين، ويزين بقطع معدنية ونقوش تمنحه مظهراً مميزاً، واستخدمته الأسر لحفظ الملابس والوثائق والحلي والعطور، وغيرها من المقتنيات ذات القيمة، ليؤدي وظيفة قريبة من الخزانة المقفلة.
وكان المندوس يوضع في غرف البيت أو المجالس بحسب استخدامه، كما وجد مكاناً ضمن تجهيزات بعض المناسبات والأفراح، فوضعت داخله أحياناً قطع ثمينة أو ملابس ومستلزمات خاصة، ولم يقتصر حضوره على المناسبات وحدها، إذ ظل جزءاً من أثاث بعض البيوت، يجمع بين الوظيفة العملية والمظهر الزخرفي الذي ميّزه عن غيره من صناديق التخزين.
ولا يزال المندوس حاضراً في عدد من المنازل حتى اليوم، وإن تغيرت وظيفته، إذ يُعرض في المجالس أو زوايا البيت بوصفه قطعة تراثية تستحضر جانباً من ذاكرة الأسرة، وتمنح المكان لمسة مستوحاة من تفاصيل الحياة الإماراتية القديمة.