الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الذكاء الاصطناعي بين وفرة المعرفة وندرة الخبرة

1 أكتوبر 2026 10:19 صباحًا | آخر تحديث: 1 أكتوبر 10:23 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
رضا أبو طربوش – مستشار ومحلل مالي واقتصادي
رضا أبو طربوش – مستشار ومحلل مالي واقتصادي

رضا أبو طربوش – مستشار ومحلل مالي واقتصادي

قبل سنوات، كان إعداد دراسة أولية عن سوق جديد يستغرق أياماً لجمع البيانات وقراءتها وتحليلها وصولاً إلى قرار. اليوم، تختصر أدوات الذكاء الاصطناعي جانباً كبيراً من هذا العمل، لتطرح سؤالاً اقتصادياً يتجاوز التطور التقني: ماذا يحدث عندما تنخفض تكلفة الوصول إلى المعرفة واستخدامها؟
ارتبطت القيمة الاقتصادية للمعرفة بصعوبة اكتسابها؛ فالبحث والتحليل والبرمجة وإعداد الدراسات والتقارير والترجمة الاحترافية تتطلب تخصصاً ووقتاً. لذلك، دفعت الشركات والأفراد مقابل هذه المهارات، واستثمر الناس سنوات في تعلمها.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي المعرفة، لكنه يتيح للشركات الصغيرة أدوات كانت حكراً على مؤسسات ذات فرق وميزانيات كبيرة، ويمكّن الفرد من إنجاز عمل كان يتطلب عدة موظفين. وهذه فرصة لزيادة الإنتاجية، لكنها تقلل ندرة بعض المهارات والخدمات، والندرة عنصر أساسي في تحديد القيمة الاقتصادية.
لذلك، أرى أن النقاش ينبغي أن يتجاوز احتمال استبدال الوظائف إلى تحديد مواضع القيمة عندما تصبح المعرفة والتحليل والإنتاج أسرع وأقل كلفة وأكثر انتشاراً.
في عملي، تستطيع أداة ذكية قراءة بيانات ضخمة ومقارنة شركات وأسواق واستخراج ملاحظات سريعاً. لكن التحليل الجيد لا يجعل قرار الاستثمار آلياً؛ فالأرقام والنماذج توسع الرؤية، بينما يتطلب توظيف الأموال فهماً للسياق وخبرة وتقديراً للمخاطر وتحمل مسؤولية النتائج.
وينطبق ذلك على الطبيب الذي يستخدم أدوات تشخيص متطورة، والمحامي الذي يسترجع السوابق والمراجع بسرعة، والمحلل المالي الذي يعالج معلومات أكثر، والصحفي الذي يراجع مصادر أوسع. تظل القيمة في تمييز المهم والموثوق وفهم دلالته في كل حالة.
كلما ازدادت وفرة المعلومات، ارتفعت أهمية الحكم عليها، وكلما سهل إنتاج المحتوى، ازدادت صعوبة بناء صوت موثوق. وقد تصبح السمعة والخبرة والثقة والعلاقات والقدرة على اتخاذ القرار أصولاً أشد أهمية، يصعب إنتاجها بضغطة زر.
كذلك، قد يفقد استخدام الذكاء الاصطناعي وحده صفته كميزة تنافسية، كما حدث للمواقع الإلكترونية بعدما أصبحت أمراً بديهياً. وسيكون التميز في جودة الاستخدام والنتائج المختلفة التي تحققها الشركات.
ومن هذه الزاوية، أنظر باهتمام إلى الإمارات التي وضعت الذكاء الاصطناعي في صلب رؤيتها المستقبلية. فالاختبار الاقتصادي يتجاوز عدد التطبيقات إلى تحويلها لإنتاجية أعلى، وشركات أكثر تنافسية، وقطاعات جديدة، وفرص عمل أكبر قيمة.
وهذا يستدعي تطوير التعليم والاستعداد لسوق العمل؛ فالحصول على معلومة أو مسودة أو تحليل أولي خلال ثوانٍ يقلل ميزة الحفظ وحده، ويرفع قيمة صياغة المشكلات واختبار الإجابات واكتشاف الأخطاء وربط المعلومات واتخاذ قرارات قابلة للدفاع عنها.
ولا أرى في ذلك انتقاصاً من الإنسان؛ فاختصار الأعمال المتكررة يحرر وقتاً وقدرات، ويجعل السؤال: كيف نستثمرهما؟ فالعالم لن يفتقر غالباً إلى المعلومات والمحتوى والتحليل الأولي، بينما ستظل الخبرة والثقة والمسؤولية موارد نادرة.
السؤال إذن: أي جوانب القيمة الإنسانية ستزداد أهمية؟ ربما يدفعنا انخفاض كلفة الذكاء واتساع إتاحته إلى إدراك الفارق بوضوح بين امتلاك المعرفة وامتلاك الحكمة في استخدامها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة