كلما سافرت، عدت وأنا أشعر بأنني لم أغيّر مكاناً فقط، بل غيّرت شيئاً في داخلي. السفر بالنسبة لي لم يعد مجرد مدن نزورها، أو شوارع نمشي فيها، أو صور نعود بها إلى الوطن. مع الوقت، أدركت أن أجمل ما يمنحنا إياه السفر هو فرصة أن نلتقي أشخاصاً خارج كل ما اعتدنا أن نصنّفه ونضعه في خانات: هذا من بلد مختلف، ثقافتها مختلفة، وهذا لا يشبهني، وتلك لا تشبه حياتي.
السفر يعلّمنا أن الاختلاف ليس دائماً مسافة تفصلنا، بل أحياناً نافذة نرى من خلالها الحياة بعين أخرى. في كل مدينة، هناك حكاية إنسان. وفي كل مجتمع، هناك طريقة مختلفة للحب، وللفرح، وللحزن، وللعيش. وعندما نقترب من الناس، لا كسائحين فقط، بل كبشر، نكتشف كم نحن متشابهون رغم كل ما يبدو بيننا من اختلاف.
في زيارتي الأخيرة، أغسطس الماضي، إلى جمهورية لبنان، حدث موقف بسيط في صالة مطار الشارقة الدولي، مصادفة تعرفت إلى لبناني الأصل كان متجهاً إلى وطنه، كان يمكن أن تنتهي معرفتنا عند ركوبنا الطائرة. لكن عند وصولنا، أصرّ على أن يستضيفنا، وأن نلتقي عائلته. وبعد أن عاد إلى دولة الإمارات، ولم يمضِ على عودته سوى أسبوع، التقينا مرة أخرى، دعوناه إلى بيتنا، وهناك قال جملة قصيرة، لكنها بقيت معي: «الغربة صار لها طعم».
توقفت عند الجملة كثيراً، فكم من إنسان يعيش بعيداً عن وطنه، ويبني حياته في مكان آخر، ويعتاد الغياب حتى يصبح جزءاً من يومه؟ وكم من شخص قد لا نعرف قصته، ولا نعرف كم اشتاق، وكم انتظر، وكم احتاج في غربته إلى لحظة يشعر فيها أنه بين أهله؟ ربما لم يكن ما حدث بيننا كبيراً بالمعنى الذي تقاس به الأحداث، لكنه كان كبيراً بالمعنى الذي تقاس به الإنسانية. وهنا تذكرت واحداً من أهم الدروس التي علّمني إياها السفر: أن نتعارف. أن نمنح أنفسنا فرصة لأن نعرف أشخاصاً لا يشبهوننا، وأن نسمع حكاياتهم، وأن نرى الحياة من منظورهم، وأن نكتشف أن العالم أكبر بكثير من دائرتنا الصغيرة.
نحن نختلف في لغاتنا، ولهجاتنا، وعاداتنا، وذاكرتنا، وطريقة تربيتنا، وما نؤمن به ونحبه. لكن تحت كل هذه الطبقات، هناك شيء واحد لا يختلف: أننا بشر. نفرح. نشتاق. نتعب. نبحث عن الأمان. نحب أن نشعر بأننا مرحّب بنا. نحتاج إلى كلمة طيبة، وإلى شخص يصغي إلينا، وإلى مكان نشعر فيه بأننا لسنا غرباء. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في عالم يزداد سرعة واختلافاً، أن نتمسك بهذه الحقيقة البسيطة: أن نبقى بشراً.
قد لا نتذكر اسم كل شخص قابلناه في سفرنا، وقد ننسى تفاصيل كثيرة من الرحلة، لكننا سنتذكر دائماً إنساناً جعلنا نشعر، ولو للحظة، بأن العالم مكان أكثر دفئاً. وربما لهذا السبب تحديداً أحب السفر. لأنه في كل مرة يأخذني إلى مكان جديد، يعيدني إلى إنسانيتي بشكل أعمق. ويذكرني بأن أجمل ما يمكن أن نحمله معنا من أي بلد نزوره ليس هدية، ولا صورة، ولا حتى ذكرى المكان... بل إنسان عرفناه، وحكاية سمعناها، وأثر تركه فينا دون أن يعرف.
