لم تعد التطورات المتسارعة في المسجد الأقصى المبارك، مجرد أحداث عابرة تفرض نفسها في بعض المناسبات الإسرائيلية ثم تنحسر، بل أصبحت مساراً متدرجاً يعيد تشكيل واقع المكان وفرض قواعد جديدة على الأرض، لذا فإن ما نراه اليوم ليس مجرد تصعيد مؤقت، بل تحول يمس جوهر القيمة التاريخية والدينية للقدس، وسط محاولات متواصلة لإعادة رسم الخريطة السياسية والمكانية للمدينة المقدسة، وتحويل القضية برمتها إلى فرض سيادة مباشر يخضع لمنطق القوة المحض.
عندما يقتحم المسؤولون الإسرائيليون، وعلى رأسهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، والمستوطنون، باحات الأقصى، ويطلقون تصريحات علنية تطعن في هويته التاريخية، فإن الرسالة الموجهة لا تخطئها العين، حيث إن المسألة تجاوزت منذ زمن بعيد فكرة «الزيارات الفردية»، ليكون المسجد الأقصى أمام تطبيق عملي ومباشر لسياسة فرض الأمر الواقع فيه، وتحويل الطقوس والوجود الميداني في ساحاته إلى ممارسات يومية، يراد تكريسها على أنها أصل ثابت، تماماً كما جرى في تجارب سابقة خصوصاً بالحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، إذ يبدأ الأمر باقتحام محدود، وينتهي بتثبيت واقع التقسيم الزماني والمكاني، كحقيقة مفروضة على الجميع.
الخطورة في هذه التحركات المتسارعة ليست فقط في أرقام المستوطنين المقتحمين التي تتصاعد يوماً بعد آخر، بل في التحول في الخطاب الجريء والممارسة الميدانية، فعندما تفرض القيود المشددة على أهل القدس والمصلين، وتغلق الطرقات والمناطق المحيطة لتأمين حركة هذه المجموعات، فإن الرسالة الضمنية تقول إن الجغرافيا يعاد تشكيلها وفق رؤية إسرائيل، في حين أن ما يجري في المدينة يسير بالتوازي مع إجراءات مماثلة ومكثفة في مدن مختلفة بالضفة الغربية، ما يعني أن الاستراتيجية المتبعة شاملة، وتستهدف تفكيك الملامح العربية والإسلامية للمكان بأسره، وإعادة هندسته بصورة كاملة ومباشرة.
هذا المسار يكشف بوضوح عن استراتيجية تعتمد على «التراكم الصامت»، حيث لا يعود الاستهداف قائماً على صدمة مفاجئة تشعل المواجهة، بل على خطوات متدرجة تستغل عامل الوقت لامتصاص أي ردة فعل فعلية.
وتكمن الخطورة الحقيقية هنا في استهداف الوعي والذاكرة الجمعية، إذ يراهن المشروع الإسرائيلي على أن كثرة الاقتحامات وتتابعها اليومي سيصلان بالمشهد إلى مرحلة «التطبيع النفسي والاعتياد» لدى العالم، بحيث تجرّد هذه الخروقات المكثفة تدريجياً من حديتها السياسية والدينية، وتتحول إلى مجرد تفصيل روتيني لا يستدعي التوقف عنده.
في المحصلة، إن بقاء معظم العالم في موقع المتفرج أو حتى التجاهل التام، يخدمان المخطط الإسرائيلي تماماً، فالمسألة اليوم لم تعد محصورة في صراع مؤقت على مساحة محددة أو زاوية بعينها داخل الباحات، بل هي معركة تستهدف تفكيك الوجود الفلسطيني في القدس. وما لم تتغير أدوات التعامل مع هذا التمدد، فإن الاستيقاظ على واقع جديد ومفروض بالكامل لن يكون سوى نتيجة حتمية لسياسة القضم المتواصلة على نار هادئة.
