الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

صراع الأيديولوجيات الأوروبي – الأمريكي

2 أكتوبر 2026 00:16 صباحًا | آخر تحديث: 2 أكتوبر 00:17 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تاريخياً، كان مصطلح «الصراع الأيديولوجي»، خاصة على المستوى العالمي، يقتصر على الصراع بين الأيديولوجية الرأسمالية – الليبرالية، والأيديولوجية الشيوعية، التي عبّر عنها الصراع بين الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة، وبين الكتلة الشيوعية بزعامة الاتحاد السوفييتي. وكانت سنوات الحرب الباردة بين هاتين الكتلتين تُعتبر ذروة هذا الصراع. حدة هذا الصراع تراجعت، بل واختفت، وتراجع معها وزن «الأيديولوجيا» كمحدد محوري في العلاقات الدولية، بانتهاء هذه الحرب، ابتداء من عام 1991 عقب سقوط الاتحاد السوفييتي.
الأمور تتغير وتتبدل كثيراً هذه الأيام، في ظل التوترات والنزاعات داخل الكتلة الغربية، بجناحيها الأمريكي والأوروبي، التي توحدت حول مفاهيم وقيم الليبرالية والرأسمالية، قبل أن توحدها الاستراتيجيات العسكرية والاتفاقيات الأمنية، والآن يحدث ما يمكن تسميته ب«انكسار الأيديولوجيا» داخل المعسكر الغربي.
هذا الانكسار عبّر عنه رئيس «مؤتمر ميونخ للأمن» فولفغانغ إيشنجر ب«أزمة الثقة» التي أضحت موجودة عبر الأطلسي. وكتب ايشنجر في التقرير الرئيسي الذي قدمه للمؤتمر أن أزمة الثقة هذه تعبّر عن «المشكلة الكبيرة التي يتجاهلها الجميع»، وهي «ردّة الفعل العنيفة ضد المبادئ التي قامت عليها الحوكمة العالمية منذ عام 1945»، الذي شهد ظهور النظام العالمي الذي عبّرت عنه هيئة الأمم المتحدة بميثاقها، وأهدافها، ومبادئها.
المعنى الذي أراد توضيحه رئيس مؤتمر ميونخ هو «تداعي التوافق الأمريكي – الأوروبي حول منظومة القيم والمبادئ التي جمعت الطرفين في التحالف الغربي»، وليس فقط التنازع حول الالتزامات العسكرية داخل حلف شمال الأطلسي. هذا المعنى جاء أكثر صراحة ووضوحاً في التقرير الذي صدر باسم المؤتمر، بالقول إن «الحفاظ على هذا النظام لم يعُد يصب في مصلحة الولايات المتحدة، بل إنها بدأت بتفكيكه بشكل فعلي».
مؤشرات ذلك كثيرة، أبرزها بالطبع أن الديمقراطية والليبرالية «لم تعودا أولوية» لدى الإدارة الأمريكية الحالية التي أضحت أكثر ميلاً إلى دعم تحولات استبدادية ومعادية للديمقراطية، بل وأكثر تدخلاً في السياسات الداخلية للدول الأوروبية لمصلحة الأحزاب اليمينية المتطرفة، والحركات الشعبوية الأوروبية المعادية للديمقراطية، ولمنظومة القيم الليبرالية – الرأسمالية التي ظلت تعرف ب«القيم الغربية» التي جمعت أوروبا والولايات المتحدة في تحالف غربي واحد، الأمر الذي أخذ يحمل مؤشرات ل«صراع أيديولوجي أوروبي – أمريكي»، من المرجح تصاعده في ظل النجاحات التي حققتها بعض الأحزاب اليمينية الأوروبية المدعومة أمريكياً، أو المنحازة للقيم والسياسات الأمريكية الجديدة، ومنها العداء للهجرة وللاتحاد الأوروبي والانحياز للسياسات الوطنية بعيداً عن أية التزامات أوروبية، على النحو الذي سبق أن عبّر عنه جي.دي فانس نائب الرئيس الأمريكي أمام مؤتمر ميونخ للأمن عام 2025، عندما وجه انتقادات لاذعة للحلفاء الأوروبيين، متهماً قادة الاتحاد الأوروبي ب: «تقييد حرية التعبير (أمام الأحزاب اليمينية والحركات الشعبوية)، والسماح بالهجرة المفرطة (التي تهدد الحضارة الغربية)، وتجاهل آراء الناخبين».
فالنجاحات الانتخابية الأخيرة التي حققها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في مواجهة «الحزب المسيحي الديمقراطي» الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، والفوز الهائل غير المتوقع لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في انتخابات التجديد لمجلس الشيوخ الفرنسي أثارت ذعراً لدى النخب الحاكمة في كل من ألمانيا وفرنسا، وقبلها في إيطاليا عندما فازت جورجيا ميلوني التي تعتبر قريبة أيديولوجياً من إدارة ترامب، برئاسة الحكومة في إيطاليا. هذا الذعر عبر عنه المستشار الألماني ميرتس عقب ظهور نتائج الانتخابات المحلية في ولايتي برلين وماكلنبورغ فوربومرن، بأنها «أسوأ من كارثية»، التي خسر فيها الحزب المسيحي الديمقراطي، وفاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا».
وقال أمام مؤتمر لأعضاء حزبه إن «حقبة علاقات الصداقة غير المشروطة بين الولايات المتحدة وأوروبا التي ترسخت منذ الحرب العالمية الثانية قد انتهت، على الأقل في الوقت الراهن». أضاف ميرتس: «على الجانب الآخر من الأطلسي، نشهد تغيراً في المواقف السياسية، وفي تقييم التحالف عبر الأطلسي، وهو تغيير، ربما لم نكن نعتقد أنه ممكن». وقال أيضاً: «إن التغيير الجاري في العلاقة عبر الأطلسي، ينبغي أن يدفع ألمانيا وأوروبا إلى تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنهما».
النجاح الساحق الذي حققه حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في فرنسا بزعامة مارين لوبان، وحلفاؤه، يكتسب أهمية كبيرة من عاملين: أولهما أنه يُكمل فوزاً كبيراً حققه الحزب عندما أصبح الكتلة الأكبر في «الجمعية الوطنية» الفرنسية عقب الانتخابات البرلمانية المبكرة التي كان قد دعا إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2024. وثانيهما أن هذا الفوز يأتي قبل أشهر معدودة من موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الربيع المقبل، حيث تحرص زعيمة هذا الحزب (مارين لوبان) على تسويق هذا الفوز لدعم حملتها الانتخابية للفوز برئاسة الجمهورية.
إلى أين سيتجه هذا الصراع الأيديولوجي الذي أخذ يتفاقم يوماً بعد يوم؟ هذا هو سؤال المستقبل عن العلاقات الأوروبية – الأمريكية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة