في حين تؤكد واشنطن وطهران على حد سواء أنهما تفضلان حلاً دبلوماسياً للحرب، فإن التوصل إلى اتفاق يبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وقد تكون الأسباب الجذرية للمأزق غير قابلة للتوفيق، والتي في مقدمتها أزمة الثقة والضغوط الداخلية.
وخلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، أدت جولتان فاشلتان من المفاوضات إلى اندلاع مواجهتين، كما انهارت مذكرة التفاهم الموقّعة في يونيو/حزيران بعد أيام من إقرارها، عقب مهاجمة إيران لسفن تجارية في مضيق هرمز، ما استدعى رداً أمريكياً، وبالتالي وقع تصعيد جديد. مما أدى إلى تصعيد جديد.
ويرى مراقبون أنه إذا انتهت الجهود الدبلوماسية الحالية إلى طريق مسدود، فمن المرجح اندلاع جولة أخرى من القتال في غضون أسابيع، خاصة في ظل تهديد الرئيس دونالد ترامب بأنه قد يدمر إيران عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نوفمبر/ تشرين الثاني، فما أبرز ما يمنع الوصول إلى اتفاق ينهي الصراع ويعيد الهدوء إلى المنطقة.
معضلة الإطار الزمني للمفاوضات
وبحسب الخبراء، فإن أحد أسباب فشل المفاوضات هو اختلاف نظرة الولايات المتحدة وإيران إلى الإطار الزمني للمفاوضات، فترامب يسعى جاهداً لإبرام اتفاق سريع، ويشعر بالضيق والإحباط عندما تسير الأمور ببطء. أما أسلوب التفاوض الإيراني فهو نقيض ذلك تماماً، إذ يركزون على كسب الوقت.
ويقول كريم سجادبور، كبير المحللين في مؤسسة كارنيغي، لـ«أكسيوس»: «أمريكا في عهد ترامب قوة عظمى تعاني تشتت الانتباه، ولم تضع حتى الآن استراتيجية مستدامة. أما النظام الإيراني فلديه ما يشبه الوسواس القهري، بشأن عدائية أمريكا، لدرجة أن الاهتمام بهذه النقطة يتفوق على ضرورة تخفيف المعاناة الاقتصادية عن الشعب الإيراني»
وعلى سبيل المثال، حدد ترامب في إبريل/نيسان 2025 مهلة للمفاوضات مدتها 60 يوماً، وهو جدول زمني قصير للغاية وغير واقعي، في حين رأى الإيرانيون أن المفاوضات عملية طويلة الأمد، ولم يأخذوا المهلة على محمل الجد، ولم يصدقوا أن ترامب كان جاداً عندما قال 60 يوماً. وفي فبراير/ شباط، كانت المفاوضات أقصر بكثير، إذ استغرقت حوالي ثلاثة أسابيع، وكانت فرص التوصل إلى اتفاق بهذه السرعة شبه معدومة.
صفقة ضخمة مقابل هدنة ضيقة
ويقول مراقبون إن ترامب يريد اتفاقاً تاريخياً يعيد تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، ويعيد تشكيل الشرق الأوسط، بينما يفضل الإيرانيون اتفاقاً ضيقاً وذا طابع عملي يتم التفاوض عليه بشكل غير مباشر، أو بأقل قدر ممكن من الظهور الإعلامي. وهم ينظرون إلى أي اتفاق على أنه هدنة وليس اتفاق سلام.
ويقول سجادبور: «يفتخر ترامب ومفاوضوه بكونهم صانعي صفقات. لكن في الثقافة السياسية الإيرانية، كلمة سازشكار التي تعني صانع الصفقات هي في الواقع كلمة مهينة».
وأضاف: «لم يكن قادة إيران مستعدين قط للقاء ترامب مباشرة. ولو كانوا مستعدين لذلك، لاعتقد أن نتائج الأحداث كانت ستختلف تماماً. وبينما يريد ترامب حل النزاع، فإن هوية النظام الإيراني الحالي تقوم بأكملها على المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة».
مسألة انعدام الثقة
ويؤكد عدد من المحللين، أن العائق الأساسي في المفاوضات هو انعدام الثقة، ويزعم الإيرانيون أن ترامب خدعهم مرتين عندما هاجمهم في منتصف المفاوضات. ويعتقد الكثيرون داخل النظام الإيراني أن أي مفاوضات مع الولايات المتحدة ليست سوى حيلة للتغطية على الاستعدادات لهجوم مفاجئ.
وعلى الجانب الأمريكي ترد إدارة ترامب بأن إيران هي التي انتهكت مذكرة التفاهم الموقّعة في يونيو 2026، من خلال مهاجمة السفن في مضيق هرمز بعد أيام من توقيع الاتفاق. ويقول المسؤولون الأمريكيون إنهم لا يستطيعون الاعتماد على الحرس الثوري أو العناصر المتطرفة الأخرى داخل النظام للالتزام بأي اتفاق يتفاوضون عليه مع الأعضاء الأكثر براغماتية في النظام.
الضغوط الداخلية
تُعدّ المفاوضات قضية سياسية داخلية شائكة لكلا الجانبين، حيث تعرض فريق التفاوض الإيراني، وغيرهم من داخل النظام ممن يدعمون الاتفاق، لهجمات إعلامية متواصلة في الداخل، مما دفعهم إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً في المحادثات.
كما يتعرض ترامب ومفاوضوه لضغوط من اليمين لعدم إبرام صفقة، ويسخر منهم اليسار لاحتمال قبولهم صفقة إما تعيد الوضع الراهن لما قبل الحرب أو تشبه الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015. وهذا النوع من الانتقادات دفع ترامب إلى التراجع عن مواقف أكثر هدوءاً اتخذها عدة مرات خلال الأشهر الـ 18 الماضية، بما في ذلك في وقت سابق من هذا الأسبوع.
ما مستقبل المفاوضات؟
ولا يزال مبعوثو البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس يعتقدون أن الدبلوماسية تستحق السعي، لكن ترامب يبدو أكثر تشككاً، وفي مقابلة مع مجلة تايم نُشرت الخميس، قال إن ما تستعد إيران لفعله «ليس جيداً بما فيه الكفاية» بالنسبة له. وأضاف: «مع إيران، لا أعتقد أنه يمكن تحقيق السلام أبداً»، مؤكداً أنه يفكر في استئناف العمليات القتالية الكبرى بعد انتخابات التجديد النصفي.
كما دافع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الخميس عن المفاوضات مع الولايات المتحدة، وقال: «لم نهرب ولن نهرب من الحوار، رغم أن الولايات المتحدة استهدفت بلادنا ثلاث مرات رغم توقيعنا على الاتفاقية»، في إشارة إلى مذكرة التفاهم. لكن مسؤولين إيرانيين آخرين، وخاصة داخل الحرس الثوري، يعتقدون أن المفاوضات عديمة الجدوى وأن الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي إلحاق المزيد من الخسائر في ساحة المعركة.
تعزيزات عسكرية تنذر بضربات وشيكة
وعلى أرض الواقع، كشفت وسائل إعلام أمريكية عن تعزيزات عسكرية تشمل حاملة طائرات، وقوات إنزال بحري، ووحدات من المارينز، تتجه إلى الشرق الأوسط، وأوضح مسؤول أمريكي أن حاملة الطائرات «روزفلت» غادرت مع مجموعتها الضاربة قاعدة سان دييغو متجهة إلى الشرق الأوسط.
كما أن مجموعة الإنزال البحري «مايكون إيلاند» غادرت سان دييغو، الاثنين الماضي، في طريقها إلى المنطقة، وفق المسؤول الأمريكي. وأوضح أن أكثر من 2000 جندي من وحدة المارينز يتحركون إلى الجهة نفسها على متن مجموعة الإنزال.
وأكد المسؤول الأمريكي أنه بحلول نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ستنتشر في محيط إيران 3 حاملات طائرات ومجموعتا إنزال، وقال إنه مع حشد كل هذه القوة، سيكون لدى القادة خيارات كثيرة للتعامل مع إيران.