تعكس مبادرة «نعمة»، الوطنية للحدّ من فقد الغذاء وهدره في دولة الإمارات، رؤية صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ودعوته إلى الحد من هدر الغذاء وترسيخ ثقافة المسؤولية المجتمعية في التعامل مع الموارد. وتسعى إلى تعزيز الممارسات المستدامة عبر مختلف مراحل سلسلة الإمداد الغذائي، من الإنتاج وحتى الاستهلاك، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي بقيمة الغذاء وأهمية الحفاظ عليه.
تجسد «نعمة» التزام دولة الإمارات بتبنّي نماذج تنموية مستدامة تستجيب للتحديات البيئية والاقتصادية، حيث تعمل على إحداث تغيير في أنماط الاستهلاك السائدة وغرس قيم الحفاظ على الموارد كونها جزءاً أصيلاً من الثقافة المجتمعية، كما تضيء على الأثر السلبي لممارسات الإسراف والإفراط في استهلاك الغذاء، وتدعو إلى تبني سلوكات مسؤولة تسهم في ضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.
ونجحت المبادرة الوطنية «نعمة» التي تندرج تحت مبادرات مجموعة إرث زايد الإنساني، في استخدام الفائض من الغذاء وتوزيع أكثر من 420 ألف وجبة خلال شهر رمضان من عام 2025.
صفر الصافي
كما تتكامل أهداف المبادرة مع التزام الدولة بالوصول إلى الحياد المناخي، وتحقيق الصفر الصافي من الانبعاثات بحلول عام 2050، إذ يسهم الحدّ من فقد الغذاء وهدره، في تقليل الانبعاثات الكربونية المرتبطة بإنتاج الغذاء ونقله والتخلص منه، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية مثل المياه والطاقة والأراضي الزراعية.
وتأتي هذه الجهود في إطار التزام دولة الإمارات بتحقيق الهدف 12.3 من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، الذي يركز على تقليل الفقد والهدر 50% بحلول عام 2030، وتسعى الدولة بمبادرة «نعمة» إلى قيادة الجهود الإقليمية، عبر بناء منظومة تعاون واسعة تضم الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات المجتمعية، بما يسهم في تحقيق تغيير ملموس في إدارة الموارد الغذائية.
وانبثقت مبادرة «نعمة» التي أطلقت في مطلع مارس 2022، نتيجة تعاون وزارة التغير المناخي والبيئة، ومؤسسة الإمارات، وديوان ولي عهد أبوظبي، وعدد من الشركاء في مختلف أنحاء الدولة، لبناء شبكة وطنية من الجهات والمؤسسات المعنية بقضية الفقد والهدر، والعمل معاً على تطوير حلول مبتكرة تسهم في الحدّ من هذه المشكلة وتعزيز استدامة النظام الغذائي.
تحدٍّ عالمي
قالت مريم المهيري، رئيسة مكتب الشؤون الدولية في ديوان الرئاسة، عند إطلاق المبادرة «فقد الغذاء وهدره تحدّ عالمي، فوفقاً لتقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» أنه يُهدر 30% من الإنتاج العالمي من المواد الغذائية، أي ما يعادل 1.3 مليون طن سنوياً».
وأضافت «انطلاقاً من توجه الدولة لإيجاد مستقبل مستدام وفي إطار ترشيد الاستهلاك وتبنّي سلوكات مستدامة، تأتي مبادرة «نعمة» مُستهدفة خفض معدل هدر الغذاء 50% بما يواكب الهدف 12.3 من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، عبر توجهين رئيسيين الأول يستهدف التنسيق مع جميع جهات ومؤسسات القطاعين الحكومي والخاص والمنظمات المجتمعية غير الحكومية لخفض هدر الغذاء وفقده. والثاني يستهدف تعزيز الوعي والمعرفة المجتمعية بسلوكات الاستدامة في إنتاج واستهلاك الغذاء».
ودعت إلى التفاعل مع المبادرة لاكتساب سلوكات الاستدامة التي من دورها تعزيز توجهات الدولة لإيجاد مستقبل أفضل للأجيال الحالية والمقبلة.
الفاقد الغذائي
وتعمل المبادرة على دمج جميع الشركاء ضمن سلسلة الإمداد الغذائية في منظومة عمل موحدة تتبنّى نهجاً تكاملياً ومنظماً، حيث تسعى إلى إشراك المنتجين والمورّدين وتجار التجزئة والمؤسسات المجتمعية والأفراد في الجهود الرامية إلى تقليل الفاقد الغذائي. كما تحرص على إلهام أفراد المجتمع للنظر إلى الغذاء بوصفه نعمة، يجب الحفاظ عليها، وتعزيز الوعي بقيمته الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
نهج شامل
وتتبنى «نعمة» نهجاً شاملاً لمعالجة فقد وهدر الغذاء يرتكز على محاور عدة، من بينها بناء القدرات المؤسسية وتطوير أنظمة دقيقة لقياس ومراقبة الفاقد الغذائي، وإعداد تقارير وبيانات وفق المعايير الدولية. كما تركز على تعزيز المشاركة المجتمعية ونشر الوعي بأهمية الحدّ من الهدر الغذائي، والعمل على تغيير السلوكات الاستهلاكية باستهداف فئات محددة في المجتمع.
كما تعزز الشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص لتنفيذ حلول فعّالة لمعالجة الفقد والهدر، وتشجيع الابتكار والاستفادة من التقنيات الحديثة لدعم أنظمة الغذاء الدائرية التي تعتمد على إعادة الاستخدام وتقليل النفايات. وتشمل الجهود دعم تطوير السياسات والتشريعات التي تسهم في تنظيم إدارة الفاقد الغذائي على المستويين الاتحادي والمحلي.
وتعمل «نعمة» كذلك على حشد مختلف القطاعات لمعالجة القضايا المرتبطة بهدر الغذاء وتوسيع نطاق الفرص المتاحة عبر سلسلة القيمة الغذائية، بما يشمل إيجاد قنوات جديدة لتسويق المنتجات الغذائية غير المثالية التي قد لا تتوافق مع بعض المواصفات الشكلية لتجار التجزئة رغم صلاحيتها للاستهلاك. كما تسعى إلى تحسين كفاءة سلاسل التوريد الغذائية بتنفيذ حلول عملية تقلل الفاقد أثناء النقل والتخزين، وتشجيع الاستثمار في تقنيات سلسلة التبريد لإطالة عمر المنتجات الغذائية والحفاظ على جودتها لفترات أطول.
الفائض الغذائي
كما تتضمن جهود المبادرة توعية الجمهور بالمعاني المختلفة للملصقات الغذائية وتواريخ الصلاحية، بما يسهم في تقليل التخلص غير الضروري من الأغذية الصالحة للاستهلاك، وتعمل المبادرة أيضاً على توسيع نطاق ممارسات إنقاذ الغذاء من خلال تعزيز إعادة توزيع الفائض الغذائي على الفئات المستحقة، ودعم تطوير بنى تحتية تتيح فصل النفايات الغذائية عن النفايات العامة بما يسهم في قياس حجم الهدر الغذائي ووضع حلول فعالة لمعالجته.
وأسهمت المبادرة في تحقيق نتائج ملموسة بيئية واقتصادية، حيث تمكنت من تحويل مليون كيلوجرام من الغذاء عن مكبات النفايات، ما يعكس حجم التأثير الإيجابي لجهود الحدّ من الهدر الغذائي. كما نتج عن هذه الجهود تحقيق قيمة اقتصادية بلغت 3.2 مليون درهم نتيجة الاستفادة من الغذاء الذي كان يمكن أن يتحول إلى نفايات، ما يبرز أهمية إدارة الموارد الغذائية بكفاءة.
كما أسهم تقليل النفايات الغذائية في خفض 2.4 مليون كيلوجرام من الانبعاثات الكربونية المرتبطة بتحلل الغذاء في المكبات، ما يدعم الجهود الوطنية والعالمية للحد من الانبعاثات الدفيئة ومواجهة تغير المناخ، وفي الوقت نفسه، تحوّل جزء من النفايات الغذائية إلى موارد مفيدة، حيث أنتج 76,600 كيلوجرام من السماد العضوي الذي استخدم لدعم 30,635 متراً مربعاً من الأراضي الزراعية، في خطوة تعزز مفهوم الاقتصاد الدائري في قطاع الغذاء.
هدر الغذاء
وفي إطار التجارب السلوكية التي استهدفت قطاع الضيافة، حققت المبادرة نتائج لافتة، إذ راوحت نسبة الحد من هدر الغذاء بين 8% و62% في بعض المنشآت المشاركة، ما يعكس فعالية المبادرات التوعوية والتجريبية في تغيير سلوكات الاستهلاك داخل المؤسسات الفندقية والمطاعم. كما أظهرت نتائج الاستبانات التي شملت 34,363 مشاركاً مستوى مرتفعاً من التفاعل المجتمعي، حيث بلغ رضا المشاركين 94% عن الجهود المبذولة في الحدّ من فقد الغذاء وهدره.
كما شهدت المبادرة توسعاً في شبكة شركائها، حيث انضمت 276 جهة إلى مركز البيانات الوطني لمبادرة «نعمة»، وإصدار 5 تقارير صناعية وإرشادية رسمية تدعم المؤسسات في تطبيق أفضل الممارسات المتعلقة بإدارة الفاقد الغذائي.
وفي الابتكار، استقطب تحدي تكنولوجيا الغذاء 700 مشاركة دولية، واختيرت 7 شركات ضمن التصفيات النهائية من أصل 12، في خطوة تعكس اهتمام المبادرة بتشجيع الحلول التقنية المبتكرة لمعالجة قضية هدر الغذاء.
كما وقّعت 13 شراكة استراتيجية لتعزيز التعاون بين الجهات المعنية وتوسيع نطاق الحلول المستدامة في هذا المجال، بما يسهم في تطوير منظومة وطنية متكاملة لإدارة الموارد الغذائية.
توسع للحملة
أعلنت «نعمة» توسعاً غير مسبوق لحملة «نقدر النعمة» خلال شهر رمضان 2026، حيث تنفّذ العمليات هذا العام بالتزامن في أبوظبي ودبي والعين والشارقة ورأس الخيمة، ضمن منظومة وطنية متكاملة لإعادة توزيع الغذاء بكفاءة واستدامة.
ويستهدف البرنامج إنقاذ 300 ألف طن من الغذاء ضمن قطاع الغذاء، محققاً زيادة 50% في الفائض المسترد مقارنة بالعام الماضي. كما تعنى بإعادة توزيع فائض المنتجات الطازجة والمواد الغذائية من كبار الموردين والمزارع، لدعم 10 آلاف أسرة مستحقة في مختلف إمارات الدولة.