الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لماذا تنتشر نظريات المؤامرة؟

7 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 7 أكتوبر 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
بعد نحو ست سنوات على أزمة وباء كورونا، ما زال هناك من يشكك في أن فيروس كوفيد-19 كان حقيقة وباء عالمياً بالغ الخطورة. وهناك عدد لا بأس به من الناس حول العالم ما زال يصدق أن التطعيمات كانت مجرد خدعة، إما لأسباب اقتصادية لترويج منتجات شركات، أو هناك من يذهب في شطط «نظرية المؤامرة» إلى أن حملة التطعيم العالمية كانت محاولة من الحكومات للسيطرة على الناس!
ليست تلك نظرية المؤامرة الوحيدة، بل إن أي أحداث نشهدها في السنوات الأخيرة تجد بسرعة تفسيرات مضللة وانتشار معلومات ملفقة، خاصة على مواقع التواصل، تصل إلى جمهور بمئات الملايين ويصدقها كثيرون ويعيدون مشاركتها.
كثير من تلك التلفيقات ليس مجرد «نظرية مؤامرة» يطلقها أشخاص وصل بهم الشطط مداه. بل إن بعضها تبتكره أجهزة وجماعات تستهدف غرضاً معيناً بنشر التضليل والدس المعلوماتي. ومع أن أغلب المعلقين يلوم وسائل التواصل التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة في انتشار تلك الأكاذيب ونظريات المؤامرة، إلا أنه من الصعب استبعاد أن إقبال الناس عليها يجعلها تنتشر كالفيروسات.
يعزز من انتشار تلك التلفيقات أن تجد قادة ومشاهير يشاركونها، وأحياناً يطلقونها هم، ما يعطيها دفعة قوية للانتشار والتصديق. لكن العامل الأهم في تصوري لانتشار تفسيرات المؤامرة هو أن عامة الناس أصبحت تميل إلى «الاستسهال» فضلاً عن تراجع الثقة بشدة في المعلومات من المصادر الرسمية.
هناك مثل إنجليزي معناه «لا تصدق أمراً إلا عند نفيه رسمياً»، وتلك مشكلة تتفاقم مع تدهور دور الصحافة المهنية في تدقيق المعلومات وتمحيصها ووضع الأحداث في سياقها بأكبر قدر من الموضوعية. خاصة وأن كثيراً من المنافذ الإعلامية أصبحت تقودها في تغطياتها منشورات مضللة على مواقع التواصل.
لا يقتصر الضرر هنا على ثقة الجمهور في السلطات الرسمية وإنما يمتد ليشمل كافة مناحي حياة البشر. فنظريات المؤامرة في مجال العلوم والصحة والتجارة والصناعة والبيئة وغيرها تؤدي إلى كوارث أحياناً. ولم يعد الأمر افتراضاً أو تكهناً، بل حقيقة واقعة نشهد أمثلة عليها حول العالم يومياً تقريباً.
كل ما سبق هو عرض توصيفي لمشكلة انتشار نظريات المؤامرة والشائعات والتضليل المعلوماتي. لكن ما هو السبيل لمكافحة هذا الانتشار وتلافي أضراره؟ كما في الطب فإن التشخيص الصحيح هو نصف العلاج. إن العامل الأهم في تشخيص هذه الظاهرة متسارعة التنامي هو أنها تلاقي رغبة الجمهور العام الذي يميل إلى التبسيط وعدم بذل الجهد في إعمال العقل.
لا يمكن وقف انتشار الكذب والتضليل على الإنترنت، ولا يمكن أيضاً منع مطلقي الشائعات ونظريات المؤامرة من ابتكارها وترويجها. لكن يمكن العمل على تحصين الناس من تلك الأوبئة المعلوماتية والسموم الفكرية. والسبيل إلى ذلك هو التعليم، تعليم الصغار بشكل سليم يحفز على إعمال العقل وعدم التبسيط والاستسهال.
هذا بالنسبة للأجيال الصاعدة، فماذا عن الأجيال الأكبر التي تميل أيضاً إلى «بلع» نظريات المؤامرة لأنها تسهّل لها فهم الأمور ولو بشكل مغلوط تماماً؟ هنا يكون استكمال التعليم بالصحافة الحرة المهنية والعمل على استعادتها مصداقية فقدتها حين اتبعت توجهات مواقع التواصل.
صحيح أن تلك عملية تبدو طويلة الأمد، لكن البدء فيها الآن حتى وإن كان متأخراً فهو أفضل من عدم البدء. خاصة وأن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة رهيبة، وأغلب نماذجه يتم تدريبها على محتوى متاح» أونلاين» كثير منه نظريات مؤامرة وتضليل وتلفيق.
إذا كان العمل على استعادة الصحافة والإعلام مصداقية فُقدت يتطلب سياسات واستثمارات، فإن العمل على إصلاح التعليم يتطلب – غير الاستثمارات – ابتكاراً في المناهج لا يلغي المدخلات الأساسية التي تدفع نحو بناء العقل والحث على استخدامه. في مقدمة تلك المدخلات الرياضيات والمنطق والفلسفة وغيرها من المواد الأساسية التي بدأنا نهملها لصالح مواد عملية تناسب سوق العمل.
بالطبع لن يؤدي ذلك إلى وقف انتشار نظريات المؤامرة وحملات التضليل والتلفيق بشكل مباشر وسريع، لكن العالم لا يملك ترف عدم المسارعة بالعلاج وإن كان يتطلب وقتاً وجهداً واستثماراً طويل المدى.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة