لم يُخطئ العالم في إدارة معركته مع التطرف بقدر ما أخفق أولاً في تعريفها، فقد أنفق موارد هائلة، وأسقط تنظيمات، وحقق انتصارات عسكرية متلاحقة، ونجح في تفكيك عشرات الجماعات المتطرفة، ومع ذلك لم يستطع القضاء على أفكار التطرف نفسه، حيث ظل يقاتل النتائج أكثر مما عالج الأسباب، ولذلك، كان التطرف يعود في كل مرة بثوب جديد، لأن الفكرة التي تُنتجه بقيت حية.
ولم يكن السؤال الحقيقي يوماً: كيف نهزم تنظيماً؟ بل كان السؤال الذي تأخر العالم في طرحه هو كيف نمنع الفكرة التي تُنتج التنظيم؟
فالتنظيم ليس بداية القصة، بل خاتمتها، أما البداية، فهي فكرة تجد عقلاً مضطرباً، وهويةً هشة، وفراغاً تتركه الدولة فتملؤه الأيديولوجيا، وما لم تُهزم هذه الفكرة، سيظل كل انتصار عسكري مؤقتاً ومحدود الأثر، لأن التنظيم قد يسقط، بينما تبقى البيئة التي أنجبته قادرة على إنتاج بديل جديد.
وتشير دراسات عديدة إلى أن التطرف لا ينشأ من عامل واحد، إنما يتشكل من تفاعل أزمات الهوية، وضعف التفكير النقدي، والشعور بالتهميش، وضيق الفرص، وتآكل الثقة بالمؤسسات، ومن ثم، تظل الإجراءات الأمنية ضرورة لا غنى عنها، لكنها لا تحقق غايتها كاملة ما لم تتكامل مع سياسات تصنع الإنسان، وتحصن وعيه وعقله، وتغلق الطريق أمام الفكر المتشدد قبل أن يتحول إلى تنظيم.
وإذا كانت هذه هي الخلاصة التي انتهت إليها الدراسات والأبحاث المتخصصة، فإن السؤال يصبح: كيف تُترجم هذه الرؤية إلى سياسات عامة؟ وهنا في هذا السياق، تستحق التجربة الإماراتية أن تُروى وتُدرس بوصفها إحدى أكثر التجارب اكتمالاً وتفرداً في إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني، فمنذ أن أرسى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، دعائم الاتحاد، لم يكن بناء الإنسان مشروعاً تنموياً فحسب، بل كان جوهر مشروع الدولة نفسه، انطلاقاً من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن نهضة الأوطان لا تنفصل عن رقي الإنسان، وتقدم الأمم يبدأ من الاستثمار في عقله.
ولم يقف هذا النهج عند جيل التأسيس بل تعاقبت عليه القيادات الإماراتية، فحملت الأمانة، وطورت الرؤية، واستوعبت تحولات العالم وتحدياته المتغيرة، حتى بلغت في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، مرحلة جديدة أكثر عُمقاً ونضجاً وشمولاً، أعادت صياغة العلاقة بين التنمية والأمن الوطني، وجعلت التعليم، وترسيخ الهوية الوطنية، وبناء المؤسسات، والاستثمار في القدرات البشرية، خطوط الدفاع الأولى عن المجتمع، وبمثابة ركائز لا تقل أهمية عن أدوات الردع التقليدية، حيث يبدأ الأمن الوطني من الوعي الذي يحرس معنى الوطن في وجدان الإنسان، في المدرسة التي تبني العقل، والجامعة التي تنمي الوعي، والأسرة التي تغرس القيم، ومؤسسات الدولة التي تعزز الثقة وتزرع في الإنسان انتماءً راسخاً لوطنه، وثقةً بمؤسساته، وأملاً في مستقبله، فلا تترك فراغاً تتسلل منه الأيديولوجيات المتطرفة.
وحين تتكامل هذه الركائز، ينشأ جيل يرى في الدولة ذاكرته المشتركة، وصون كرامته، وأفق مستقبله، ويعي أن التفريط في أمنها هدم لحياته وحرمان لأبنائه من العيش بأمان، عندها يصبح الوعي قوةً تحمي المجتمع من داخله، وتُسقط قدرة الجماعات المؤدلجة على اختطاف الانتماء، لأن الإنسان الذي يعرف قيمة وطنه يُدرك ما يُراد به حين يُطلب منه أن يمنح تنظيماً ولاءً ينتزعه من وطنه.
لقد وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بناء الوعي في صميم مشروعه الوطني، انطلاقاً من أن مواجهة الجماعات المؤدلجة التي توظّف الدين في العمل السياسي تتجاوز الميدان الأمني إلى ميدان الوعي والأفكار، إذ تسعى إلى إعادة تشكيل مفهوم الانتماء والهوية، بحيث يصبح الولاء للتنظيم مقدماً على الولاء للوطن، لذا لم يكن الرد الأكثر استدامة مقصوراً على الإجراءات الأمنية، وإنما تجسد في مشروع وطني يهدف إلى إعداد مواطن يمتلك من الوعي ما يجعله عصياً على الاستقطاب.
نعم، قد تهزم الجيوش تنظيماً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع ميلاد تنظيم آخر إذا بقيت التربة التي أنبتت الفكرة على حالها، أما الدولة التي تستثمر في التعليم، وتعزز سيادة القانون، وتفتح أبواب الفرص، وتصون كرامة الإنسان، فإنها لا تنتظر التطرف حتى تواجهه، لأنها تكون قد بنت مجتمعاً يملك مناعته الذاتية.
ولعل هذا هو الدرس الذي يستحق أن يتأمله العالم اليوم: فالنصر الحقيقي على التطرف لا يتحقق عندما تسقط آخر راية لتنظيم مسلح، بل عندما يفشل أول خطاب متشدد في أن يجد عقلاً يصدقه، أو شاباً يمنحه ولاءه، أو مجتمعاً يسمح له بأن يصبح بديلاً عن الدولة، عندها فقط، لا تكون الدولة قد هزمت تنظيماً، إنما تكون قد سحقت الفكرة التي كانت قادرة على إنتاجه.
