هل سبق لك أن استخدمت عذراً غير صادق بحجة «احتقان في الحلق» لتتهرب من تلبية دعوة صديق أو قريب لمناسبة اجتماعية؟ وهل سبق وأن جاء رد الطرف الآخر «بالتأكيد، أتفهم الوضع. الأفضل أن تبقى في البيت؟».
تعلمنا، أو ربما أصبحنا أكثر تعوداً، منذ غزو جائحة «كورونا» لكوكبنا في عام 2019، أن نقضي وقتاً أطول مع أنفسنا في بيوتنا ومع أفراد عائلاتنا المقربين جداً. أصبحنا أكثر قبولاً لفكرة البقاء بشبه عزلة اجتماعية وأن نتواصل مع الآخرين عبر الإنترنت، الواقع الافتراضي الذي ندخله بإرادتنا. وعدم التواصل مع الآخرين كان أحد الأسباب التي استخدمها الباحثون مؤخراً لتفسير تراجع القدرات الذهنية لكثيرين في سن المراهقة خاصة في دول العالم المتقدم، حيث تم تسجيل تراجع في الأداء الأكاديمي بين المراهقين.
هذا ليس رأيي الشخصي، وإنما نتيجة دراسة نشرتها مؤخراً مجلة «الايكونومست»، وأتفق معها. الدراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وهي بمثابة نادٍ معظم أعضائه من الدول الغنية، وشملت أطفالاً يبلغون خمسة عشر عاماً من العمر من مختلف أنحاء العالم. كان الأمل في أن تعكس نتائج الدراسة، التي تُجرى كل ثلاث سنوات، تحسناً عن بيانات الدراسة السابقة التي أجريت مباشرة بعد وباء «كورونا»، وأن تُسجل علامات أعلى في الرياضيات والقراءة والعلوم، لكن الواقع لم يكن كذلك؛ بل على العكس، انخفضت الدرجات بشكل أكبر في الدول الغنية.
ذكرت المجلة أن هناك دوراً للتأثير المستمر لـ«كوفيد»؛ فالمراهقون الذين شاركوا في اختبارات عام 2026 كانوا يبلغون في حدود العاشرة من العمر عندما انتشر الوباء، ويُحتمل أنهم تعرضوا للاضطرابات التي حدثت في تلك الفترة. كما أن معدلات الغياب عن الحصص المدرسية التي أصبحت أكثر مما كانت عليه قبل «كورونا» قد أثارت مشاكل جديدة، فتفويت أيام من الدروس، حتى وإن كانت قليلة، قد تحمل آثاراً سلبية.
كل هذا جاء في وقت تزداد فيه المخاوف من تأثير التكنولوجيا على تعلم الأطفال والمراهقين وحتى البالغين، وعلى قدراتهم المتعلقة بالقراءة وفهم النصوص المعقدة، فالقراءة ضرورية للتقدم في مجالات أخرى كالعلوم والرياضيات.
وفي وقتنا الحالي، أصبح الهاتف أو الجهاز اللوحي أو الحاسب المحمول مرافقاً دائماً للأطفال والمراهقين، وهذا يُبعدهم بالتأكيد عن الكتب والقراءة والدراسة. وتجارب الدول مختلفة؛ فهناك من يفضل عدد طلاب صغير في الصفوف وتعيين موظفين أكثر، وهناك من يفضل الاستثمار أكثر في المعلمين وتدريبهم لإدارة صفوف كبيرة العدد، وهناك من يشجع على إدماج التكنولوجيا في التدريس. وهناك من يدعو إلى جعل الامتحانات أكثر صعوبة للغش فيها مع تشديد عمليات التفتيش.
ولا يوجد حتى الآن أدلة واضحة على كيف ستؤثر التكنولوجيا في تنمية القدرات الذهنية للبشر، لكن هناك بعض المؤشرات التي تدعو إلى القلق، فعدد من التقارير وملخصات لعدة دراسات أشار إلى أن الناس، طلاباً وشباباً وموظفين، أصبحوا أقل استخداماً لقدراتهم الذهنية وأكثر استخداماً لأدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت متاحة بوفرة على شبكات الإنترنت، وهي بالمئات. وبقدر ما أفرزت التكنولوجيا إبداعات رائعة من شأنها تسهيل حياة البشر، بقدر ما أن نتائجها لا تزال غير واضحة على العقل البشري مستقبلاً، فمعظم الناس يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة تقارير لهم أو القيام ببعض المهام الموكلة إليهم، والرد على رسائل البريد الإلكتروني التي يتلقونها، ووصل الأمر في بعض الأحيان للطلب من الذكاء الاصطناعي تحليل نتائج تقارير طبية وتقديم رأيه بها. لكن في إحدى التجارب التي استخدم فيها المشاركون أداة «شات جي بي تي» لتسليم مهام محددة، سُئل المشاركون مباشرة بعد التسليم عمّا إذا كان بالإمكان تذكر ما كتبوه، وجاءت المفاجأة: الغالبية الساحقة لم تتذكر أي شيء مما كتبته.
وفي الوقت ذاته، يشعر الإنسان أن الحياة أصبحت أكثر سهولة بوجود عدد متزايد من أدوات الذكاء الاصطناعي. وهناك بالفعل اكتشافات عبقرية بفضل مساهمة الذكاء الاصطناعي في مجالات كالطب مثلاً، حيث أصبح اكتشاف بعض الأمراض أسرع وأكثر كفاءة بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي.
لكن الأمور ليست بهذه السلاسة في مختلف النواحي، فهناك عقول بشرية لم تعد تتدرب على فهم ومعرفة المعلومات التي تصلها لتحللها وتستخدمها للإبداع في المرحلة التالية. وأصبحت تشعر بأن «الراحة الرقمية» المتوفرة تجعل الكثير من المهام سهلة وسريعة التنفيذ. وهؤلاء لا يشعرون أنه سيكون هناك كلفة نفسية ومعرفية لتلك الراحة فيما بعد. وهذا هو الذي سيتضح مستقبلاً، ما لم يتم تحديد أطر وقوانين تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف المدرسية وأماكن العمل والإنتاج.
كما أننا لسنا واثقين ما إذا كان ما شهده التقدم التكنولوجي في الماضي سيستمر، أم أنه سيتفاقم، فنحن لم نعد مهتمين بحفظ أرقام هواتف ضرورية في ذاكرتنا قد نحتاج إليها في وقت الأزمات لأنها أصبحت مخزنة في هواتفنا النقالة، وأصبح «غوغل» يتذكر نيابة عنا الكثير من المواعيد والارتباطات، لكن المعضلة فيما إذا كانت التكنولوجيا تجعلنا، وستجعلنا مستقبلاً، أكثر ذكاء حقاً وإبداعاً. وإذا كان الجواب نعم، فلماذا لا يظهر ذلك في ارتفاع معدلات الذكاء والتحصيل العلمي؟
وأصبح عدد منا يدرك أن الأجهزة التي نحملها معنا أينما ذهبنا لا تساعدنا على التفكير بصورة واضحة وأكثر كفاءة؛ بل هي مصممة لجذب انتباهنا وتحقيق الدخل منه، فلماذا لا نقطع الطريق ونبحث في طرق تجعل استخدام تلك الأجهزة وتلك التكنولوجيا لصالح قدراتنا العقلية، نحن البشر؟
