الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من مفعول به لفاعل

1 نوفمبر 2026 14:04 مساء | آخر تحديث: 1 نوفمبر 2026 14:08 مساء
دقائق القراءة - 4
شارك
share
قبل يومين، سألتُ شاباً في العشرينيات من العمر يدير عملاً خاصاً به في مجال المجوهرات عما إذا كان يُفكر في المستقبل القريب في تعيين مساعد لأداة الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها، أو ما يُسمى ب«اي أي إيجنت». كان سؤالي لأحدد إيجابيات وسلبيات المسألة، لكن أجابته جعلتني أضرب رأسي بيدي الاثنتين:
أنا عندي أكثر من واحد. عندي واحد للشؤون المالية، وآخر لشؤون الموظفين، وثالث هو سكرتيري أو مساعدي الشخصي، ورابع ليعطيني آراء مجموعة مختلفة من الناس من خلفيات مختلفة عن العمل.
«أنا سألتك لأني مترددة في تعيين مساعد واحد (افتراضي) لي»، قلت له باندهاش، فأجابني: هذا طبيعي، بسبب الفارق بين جيلي وجيلك. أنا أستخدم تلك الأدوات منذ عدة سنوات، وسعيد بها. لكن انتبهي، أنا لا أعطي مساعدي معلومات صحيحة.
شخص آخر كتب أعراض ألم شعر بها ابنه في أحد الصباحات في خانة الدردشة مع أداة «كلود» التي يستخدمها ويشجع كل الذين يعرفهم على استخدامها. ردت الأداة بأن يأخذ ابنه إلى المستشفى فوراً، وبالفعل فعل، وإذا بابنه يحتاج لإجراء جراحي بسيط. وحتى هذا اليوم، فإن هذا الشخص يشعر بالامتنان لتلك الأداة، حسب قوله.
سيدة أخرى تلصق نتائج تحاليلها الطبية بأداة تستخدمها لتفسرها وتشرحها لها. وأخرى تسأل الأداة عن سبب ألم ركبتها، وهناك طالب يطلب من الذكاء الاصطناعي أن يلخص له دراسة طويلة، أو ربما أن يقوم بالواجب كله نيابة عنه! من يدري؟
كل هذه القصص حقيقية وكل شخصياتها شاركوا مع الكمبيوتر ما يجري في عقولهم وحياتهم الشخصية، بلغات مختلفة، ويعتقدون أن ما كتبوه وقرأوه سيبقى بينهم وبين شاشات أجهزتهم،. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، ففي إحدى المرات، قام عميد إحدى الكليات الإعلامية في مدينة عربية بتحضير تقرير لرفعه إلى رئيس الجامعة حول أعداد طلاب الكلية. ومعروف عن كاتب التقرير استخدامه أداة معينة معروفة ولم يكشف عن مضمون التقرير حتى أثناء الاجتماع مع عدد من المدرسين في الكلية. لكن أداة الذكاء الاصطناعي كانت من الدهاء وعدم التحلي ب«الأمانة» لدرجة أنها أصبحت تعطي الأرقام لكل كاتب سؤال بشأن أعداد الطلاب في تلك الكلية!
فمن يملك المعلومات التي ندخلها في معالِجات الذكاء الاصطناعي: الإنسان الكاتب، الآلة، الشركة المصنعة للآلة؟
وهل الإنسان أصبح على درجة عالية من السذاجة لكي يضع أسراراً شخصية في جهاز لا يعلم هو نفسه ماذا يفعل جهازُه بالمعلومات المُدخلة؟
إن جزءاً كبيراً من البيانات التي ينتجها العالم العربي تُعالج في شركات تقنية غربية أو صينية، الأمر الذي سبق لأمين عام جامعة الدول العربية، نبيل فهمي أن وصفه ب«استعمار البيانات». وأكد فهمي في مقابلة صحفية نُشرت في وقت سابق من العام الحالي أن السؤال لم يعد: هل سيغير الذكاء الاصطناعي عالمنا العربي؟ السؤال هو: هل سنشارك في صناعة هذا التغيير أم نكتفي باستهلاك نتائجه؟
وجهة نظر فهمي تحتاج إلى أرقامٍ تؤكدها وتسندها، لكنها تطرح سؤالاً مهماً حول من يملك ما نكتبه، وأين يُحفظ؟ وفي حال أغلقت الشركات التي تطور أدوات الذكاء الاصطناعي أبوابَها، أين تذهب كل المعلومات المخزنة لديها؟
في الدول العربية، أعداد مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي، التي تتطور يوماً بعد يوم بشكل متسارع، تتزايد. وتقوم هذه الأدوات بعمل الكثير من المهام التي توفر الوقت والجهد لمستخدميها، إلا أنه يتعين على مستخدمي تلك الأدوات مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي، لأنه قد يكون خاطئاً، ولأن تلك الأدوات «تهلوس».
تتفاوت أعداد المستخدمين لأدوات الذكاء الاصطناعي بين الدول العربية، ولا يوجد رقم إجمالي موثوق لكل الدول، بسبب اختلاف التعريفات بين الدول وبسبب اعتماد كل دولة على حدة مسألة اعتماد الذكاء الاصطناعي. لكن تقرير «مايكروسوفت» حول اعتماد الذكاء الاصطناعي عالمياً في 2025 (النصف الثاني)، الذي يقيس نسبة السكان في سن العمل (15-64) الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، يظهر تصدر دولة الإمارات قائمة الدول العربية من حيث عدد المستخدمين.
ويشير التقرير إلى أن النسبة في دولة الإمارات بلغت 64%، تليها قطر بنسبة 38.3%، ثم الأردن بنسبة 27%، تليها السعودية بنسبة 26.2%، ثم لبنان بنسبة 25.7%، ثم عُمان بنسبة 24.2%، فالكويت بنسبة 19.1%، ثم مصر (أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان) بنسبة 13.4%، ثم تونس بنسبة 12.7%، فالمغرب بنسبة 10.9%..
وواصلت هذه النسب الارتفاع في عام 2026، ووصلت في دولة الإمارات إلى 73.3%، وفي قطر إلى 43.5%، وإلى 31.4% في السعودية.
وكما تتفاوت أرقام المستخدمين، تختلف أيضاً الأطر التنظيمية والمؤسساتية لحوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي في الدول العربية. ويتفاوت أيضاً حجم الاستثمارات في هذا المجال، وتتصدر دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قائمة الدول في العالم العربي من حيث الاستثمارات في مجال التكنولوجيا.
في ظل كل هذه التشريعات والقوانين، يتعين على المستخدم في الدول العربية وأماكن أخرى من العالم الانتباه لسياسات الخصوصية التي تعلنها أدوات الذكاء الاصطناعي. ومن المضحك المبكي أنه حتى درجة الخصوصية تتغير بسرعة غير مسبوقة.
نشرت شركة فويبي، المتخصصة في أدوات الإملاء الصوتي وتدوين الاجتماعات، مراجعةً في 13 أكتوبر 2026 أعادت فيها فحص 58 أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي بين 10 سبتمبر و13 أكتوبر، فوجدت أن تقييمات ودرجة الخصوصية قد تغيرت ل25 منها. وتعود التغييرات إلى أسباب متنوعة، منها تبدّل الإعدادات الافتراضية للتدريب على بيانات المستخدمين، ودعاوى قضائية، وثغرات أمنية.
فهل هناك ما يمكن عمله بالنسبة للمستخدم العربي لحماية بياناته؟ وما هي تلك الخطوة؟ ربما الخبراء العرب في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لديهم الجواب.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة