فتحت الدورة الـ113 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي جبهة دبلوماسية حامية ضد سلطة بورتسودان؛ إذ وجهت بلجيكا انتقاداً علنياً ومباشراً لطريقة تعاطي السلطات مع الاتهامات المطلقة ضد الجيش السوداني بشأن استخدام قنابل تحوي غاز الكلور، مؤكدة أن مبررات بورتسودان لا تتوازى إطلاقاً مع درجة خطورة المعطيات الميدانية المتوفرة، وذلك في ظل تحرك دولي متصاعد ينادي بكشف تفاصيل البرنامج الكيميائي وجر المتورطين إلى المساءلة.
وأعلن السفير ووتر ديتافيرنييه، ممثل بلجيكا الدائم لدى المنظمة، أن بروكسل تتابع بقلق بالغ الأنباء الواردة عن لجوء الجيش لاستخدام الذخائر الكيميائية في المواجهات المسلحة، مجدداً مطالبة السلطات السودانية بتقديم إيضاحات موثقة وأعمق.
وأوضح أن الرواية السودانية المقدمة حتى اللحظة تتسم بالضعف ولا ترتقي لمستوى القرائن المتاحة في المصادر المفتوحة، ما يعكس تشكيكاً دولياً في أهليّة التحقيقات الداخلية القائمة ببورتسودان وقدرتها على استجلاء الحقيقة بنزاهة.
ويحمل الشجب البلجيكي ثقلاً استثنائياً لكونه أُطلق من داخل أروقة المجلس التنفيذي للهيئة الدولية المنوط بها حصر تطبيق معاهدة الحظر، وهو ما ينقل القضية رسمياً من خانة السجالات الإعلامية وتقارير الاستخبارات إلى ملف امتثال دولي يضع القيادة العسكرية للجيش السوداني تحت طائلة الرقابة والمطالبة القانونية بمدينة لاهاي.
موقف دولي خماسي موحد
ولم يكن الموقف البلجيكي حدثاً معزولاً؛ بل جاء متناغماً مع حراك دبلوماسي مشترك ضم كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وأستراليا، وفنلندا خلال الجلسات التي بدأت في 6 أكتوبر.
ورغم تباين النبرة المستعملة بين هذه الدول، فإن بياناتها صبت في مصب واحد يركز على خطورة الاتهامات المثارة، وقصور المعالجة الصادرة عن سلطة بورتسودان، وضرورة الانصياع الكامل والشفاف لتفتيش منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ويؤكد هجوم هذه الدول الخمس خلال دورة واحدة فشل النهج الذي اعتمدته بورتسودان، والذي ارتكز على الإنكار واحتكار التحقيق في دوائر مغلقة.
فبدلاً من إغلاق الملف، تحولت القضية إلى محاور ثابتة في البيانات الرسمية للدول الكبرى، ليتغير نمط التساؤل الدولي من الاستفهام حول ثبوت الوقائع إلى التساؤل عن أسباب امتناع السلطات عن نشر التحقيقات ورفضها فتح المنشآت والسجلات أمام لجان التفتيش والتحقق الدولية.
واشنطن تدعو لعزل بورتسودان
من جهتها، شنت الولايات المتحدة الهجوم الأشد وطأة على الصعيد السياسي، حيث جَزمت سفيرة واشنطن لدى المنظمة، نيكول شامبين، باستمرار سلطة بورتسودان في خرق اتفاقية الحظر، بناءً على التقييمات الأمريكية الموثقة التي أثبتت استخدام أسلحة كيميائية خلال معارك عام 2024.
وشددت شامبين على أن الإدارة الأمريكية ستواصل الضغط برفقة حلفائها لفرض الامتثال للاتفاقية، داعية الكتل الإقليمية والدول الموقعة إلى حجب الأصوات عن أي دولة يثبت عدم امتثالها ومنعها من الترشح لعضوية المجلس التنفيذي. وترافق هذا المقترح الأمريكي المباشر مع مراجعة ملفي السودان وإيران بالتوازي، ما ربط ضمناً بين احترام نصوص الحظر وبين مشروعية التواجد في المؤسسات القيادية المنوط بها حماية المعاهدة.
ويرفع هذا الطرح الأمريكي حاد النبرة تكلفة استمرار بورتسودان في ممانعة التحقيقات المستقلة، مهدداً بتحويل الملف الكيميائي إلى أداة لعزلها دولياً وتجريدها من حق التمثيل في الأجهزة المؤثرة، كما يضع هذا التوجه قيادة الجيش السوداني في زاوية حرجة منطقياً؛ إذ لا يمكن لدولة تواجه اتهامات بانتهاك معاهدة الحظر أن تطالب بمقعد في مجلسها التنفيذي، بينما تمتنع عن كشف أدلة البراءة وتغلق الموقع بوجه التفتيش.
ألمانيا ترجح وجود برنامج غير معلن
وفي سياق متصل، توسعت ألمانيا في قراءة أبعاد الأزمة؛ إذ نبهت سفيرتها غودرون لينغنر إلى أن المعطيات الصحفية والمعلومات الحديثة تعزز فرضية أن اللجوء للأسلحة المحظورة في السودان عام 2024 لم يكن سلوكاً فردياً أو عارضاً؛ بل يرجح وجود برنامج كيميائي غير معلن يجري تطويره بالخفاء.
وحثت برلين الجهات المسؤولة في بورتسودان على الإسراع بإجراء تقصي وطني شامل، ونشر مخرجاته بشفافية، والتعاون المطلق مع الأمانة الفنية للمنظمة، مع التأكيد على ضرورة ملاحقة المتورطين وإنزال العقوبات بحقهم إن ثبتت التهمة.
ويشكل الحديث الألماني عن "برنامج كيميائي غير معلن" تحولاً خطِراً في المسار، لأنه ينقل الشبهات من مجرد استخدام موضعي لذخيرة محظورة برغبة ميدانية، إلى افتراض وجود البنية التحتية المتكاملة التي تشمل الشراء، والتطوير، والتخزين، وتحديد وسائل الإطلاق والأهداف.
ومثل هذه المنظومة الاستراتيجية تحتاط بتمويل، وخبرات، ومنشآت، وقرارات قيادية لا يمكن اختزالها في تجاوزات جنود بالميدان، ما يفتح الباب لمساءلة سلسلة الهرم القيادي ومدى إشراف وموافقة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان عليها.
أستراليا تركز على ملف التخزين
أما أستراليا فقد أضافت زاوية جديدة للأزمة؛ إذ أعربت عن قلق بالغ من المعطيات التي تتحدث عن تخزين واستعمال السلاح الكيميائي من قبل القوات المسلحة السودانية، لتبث بذلك الشكوك حول وجود مخازن مجهزة للأسلحة، ولا تكتفي فقط بمسألة الاستخدام.
وألمح السفير الأسترالي غريغوري فرنش إلى تلقي أمانة المنظمة تقريراً مرحلياً عن التحقيق السوداني الداخلي، مطالباً بتقديم كشف شفاف وحقيقي عن أي اختراقات للاتفاقية، ومؤكداً وجوب تحرك المنظمة وفق صلاحياتها القانونية فور بروز أدلة قاطعة.
ولفت التقييم إلى أن تحرير تقرير مرحلي داخلي لا يكفي لمحو الاتهامات ما لم تكشف تفاصيله، وتوضح مناهجه، وتحدد أماكن الفحص وأسماء المستجوبين، مع إتاحة المجال لخبراء دوليين لمعاينة العينات والتحقق من الاستنتاجات.
فالتحقيق المنفرد الذي تجريه الجهة المتهَمة بعيداً عن الرقابة الخارجية ينقصه الحياد، لاسيما أن تلك القيادة تسيطر كلياً على الأماكن العسكرية، والوثائق، والذخائر، والشهود.
فنلندا: لا إفلات
من جانبها، عبّرت فنلندا عن انزعاجها الشديد من أنباء استعمال الكيماوي بالسودان، حاثة السلطات على مجابهة الاتهامات بجدية وشفافية وسرعة. وأثنت هلسنكي على تعهد الأمانة الفنية للمنظمة بمواصلة المتابعة، مبينة أن حظر السلاح الكيميائي قاعدة مطلقة لا تحتمل التساهل أو إفلات مرتكبيها من العقاب.
وجاء هذا بعدما جشّمت المديرة العامة للمنظمة سابرينا دالافيور الأمانة الفنية بمراقبة تطورات استخدام الأسلحة الكيميائية بالسودان ومناطق النزاعات الأخرى، مطالبة الدول بمدها بكل المعطيات الفنية. ويعكس ذلك دخول ملف السودان دائرة الرصد الفني المباشر داخل المنظمة، ما يجعل البيانات المجموعة قاعدة للانتقال إلى خطوات إجرائية أشد حال توافر الغطاء السياسي.
مأزق التحقيقات الداخلية ببورتسودان
وتثبت المواقف الخمسة المنسقة أن العقدة لم تعد في صمت بورتسودان، بل في افتقار إجراءاتها للحياد والشفافي، فبينما تعلن السلطات الاستمرار في التحقيق، إلا أنها ترفض إعلان التفاصيل، وتغلق المنشآت والمخازن أمام الفرق الدولية، وتمنع أخذ عينات بيئية وطبية من مواقع الهجمات المزعومة.
وللوصول للواقع اليقيني، يفترض أن يشمل التحقيق معاينة ميدانية غير مقيدة، وفحصاً للتربة، والمياه، والضحايا، والذخائر، ومراجعة السجلات العسكرية والطبية، وتتبع خطوط توريد الكلور والأطراف المتداخلة في شرائه ونقله، والمسؤولين عن تحويره واستخدامه.
وأي تأخير في التحقيق يخدم الطرف الممتلك للأدلة، حيث تتلاشى بقايا المواد الكيميائية، وتدمر الذخائر أو تنقل، وتتغير معالم المواقع، بينما يغيب الشهود والمصابون.
سقوط خيار الإنكار
لقد حاصرت الدورة الـ113 للمجلس التنفيذي عبد الفتاح البرهان وسلطة بورتسودان أمام واقع يتجاوز حدود الإنكار الإعلامي.
فبلجيكا ترفض الإجابات الشفهية، وألمانيا تلمح لبرنامج كامل، وأستراليا تشير للتخزين، وفنلندا تصر على العقاب، فيما تلّوح واشنطن بوسم السلطة بدولة غير ممتثلة وحرمانها من التمثيل الدولي.