«من سيحكم العالم؟» الجواب يظل مفتوحاً، لكن المؤكد أن الحكم في المستقبل لن يكون محصوراً في دولة أو زعيم، بل شبكة معقدة من القوى المتشابكة: اقتصادية، تقنية، سياسية، وثقافية، ويقع هذا الكتاب وعنوانه «من سيحكم العالم؟ الشمولية الرقمية» لأولغا تشيتفيريكوفا ترجمه إلى العربية باسم الزعبي.
يرتكز الكتاب على سؤال حاسم: من سيحكم العالم في العصر الرقمي؟ وتجيب المؤلفة المؤرخة الروسية أولغا نيكولاييفنا تشيتفيريكوفا بأن السلطة لم تعد حكراً على الدول أو الحكومات، بل تنتقل تدريجياً إلى الشركات التكنولوجية العابرة للحدود، التي تعيد تشكيل الدولة والمجتمع، عبر أدوات رقمية شاملة.
في العقود الأخيرة، لم يعد التحول الرقمي مجرد تطور تقني محايد، يسهل حياة الإنسان، بل أصبح جزءاً من بنية أوسع، تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وفي هذا السياق، يأتي الكتاب بوصفه قراءة تحذيرية، ترى أن ما يجري ليس مجرد تحديث إداري أو ثورة معلومات، بل انتقال تدريجي نحو نمط جديد من السلطة.
ينطلق الكتاب من فرضية مثيرة للقلق، مفادها أن مركز القرار العالمي لم يعد محصوراً في الدولة القومية، بل يتجه نحو كيانات تقنية ومالية عابرة للحدود، تمتلك القدرة على إدارة البيانات، والتحكم في تدفق المعلومات، وتوجيه السلوك الفردي، بشكل غير مباشر، من هنا، ترى المؤلفة أن الرقمنة لا تعيد فقط تنظيم الاقتصاد، بل تعيد تعريف مفهوم السيادة ذاته.
تربط الكاتبة بين هذا التحول ونشوء شكل جديد من «الشمولية الناعمة» لا تعتمد على القمع التقليدي، بل على التتبع المستمر، والتصنيف الرقمي، وإعادة تشكيل الوعي عبر أنظمة التعليم والمنصات الرقمية، وبهذا المعنى، يصبح الإنسان جزءاً من منظومة بيانات، تدار بشكل دقيق، وتتداخل الحرية مع المراقبة في فضاء واحد.
هذا الكتاب لا يقدم رؤية تقنية، بقدر ما يقدم إنذاراً فكرياً حول مستقبل السلطة في العصر الرقمي، محذراً من أن ما يبدو كابتكار وتقدم قد يخفي في طياته انتقالاً صامتاً، نحو نموذج حكم جديد، تعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان والدولة والتكنولوجيا بشكل غير مسبوق.
منظومة
يرى الكتاب أن العالم يتجه نحو نموذج جديد يمكن تسميته ب «الشمولية الرقمية» حيث يتم دمج الاقتصاد والتقنية والبيانات في منظومة واحدة قادرة على إدارة السلوك البشري، وتوجيه القرارات الفردية، وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، وبذلك، تتحول التكنولوجيا من أداة خدمة إلى أداة حكم غير مرئية.
يركز الكتاب على التعليم باعتباره نقطة التحول الأخطر، واستهداف الأطفال لإعادة تشكيل الوعي منذ الصغر، وتحويل التعليم إلى منصة رقمية، قائمة على التتبع والقياس، وربط المعرفة ب«اقتصاد الانتباه» حيث يصبح تركيز الإنسان سلعة، وقد وصف هذا المسار ب «الطريق إلى الخرف الرقمي».
تسلط المؤلفة الضوء على خطورة البرامج الرقمية، التي تفرض على المدارس، وترى أنها تحول الطالب إلى موضوع للبرمجة والإدارة السلوكية، وتقصي دور المعلم كمرشد إنساني، وتشير إلى مخاطر التعليم عن بعد على الترابط الاجتماعي، والعقل، والنفس، وتحلل كيف يعاد تشكيل مفهوم الإنسان، عبر أدوات مثل الهوية الرقمية، السجلات الصحية الموحدة، والتعليم الخوارزمي، وتشير إلى أن الهدف النهائي هو إنتاج «الإنسان ذو الزر الواحد» الخاضع بالكامل للأنظمة التقنية.
يركز الكتاب على فكرة مركزية، وهي أن التحول الرقمي ليس مجرد تطور تقني، بل إعادة هندسة عميقة للسلطة والإنسان معاً، حيث يصبح التحكم في البيانات هو الشكل الجديد من السيطرة السياسية والاجتماعية، ويقدم رؤية نقدية تعتبر أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الحكم غير التقليدي، حيث تختفي الحدود بين التقنية والسلطة، وتتحول البيانات إلى أداة حكم شاملة.
ترفض المؤلفة انخراط روسيا في مشاريع دولية مثل أجندة الأمم المتحدة 2030 التي ترى أنها تحمل مشروعا عابرا للقوميات، يسعى لتدمير السيادة الوطنية من الداخل، وترى أن شركات مثل مايكروسوفت وجوجل ليست محايدة، بل أدوات لنشر نموذج شمولي عالمي باسم «التحول الرقمي».
مفارقة
الكتاب رغم تركيزه الخاص على السياق الروسي، لا يقتصر في مضمونه وتحذيراته على روسيا فقط، بل يمكن فهمه على مستوى الخصوصية الروسية، فالمؤلفة توثق بالتفصيل السياسات والبرامج التعليمية والإدارية الروسية، التي تعزز الرقمنة، وتحلل كيف أن الدولة الروسية، رغم خطابها السيادي، تتبنى نماذج رقمية مستوردة من الغرب.
تشير إلى أن ما يحدث في روسيا ليس استثناء، بل جزء من «هندسة عالمية جديدة» للإنسان والمجتمع، فالكتاب يبدأ من روسيا، لكنه يتحدث عن ظاهرة عالمية، وتحذر من أن ما يطبق في روسيا يختبر أو يفرض أيضاً في أوروبا، والصين، وأمريكا اللاتينية، وغيرها، تحت شعارات مثل «التحول الرقمي»، «الابتكار»، أو «الاستدامة».
تلخص خاتمة الكتاب ما تم التوصل إليه بعد تعرض العالم كله لجائحة كورونا، وذلك الأثر الذي خلفته من اعتماد العالم كله على الرقمنة، التي تحولت إلى طوق النجاة في جميع المجالات.
منذ الصفحات الأولى، تضع المؤلفة فرضية: التحول الرقمي ليس مجرد مسار تقني بريء، بل مشروع أيديولوجي بثوب جديد.
التكنولوجيا والهوية
مؤلفة الكتاب أولغا نيكولاييفنا تشيتفيريكوفا مؤرخة روسية وأستاذة مشاركة في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، وتحمل درجة الدكتوراه في التاريخ، وتعرف بانتقاداتها الحادة للعولمة والنظام الرقمي الحديث، وتركز في أعمالها على العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة والهوية الثقافية، ضمن إطار فكري محافظ يميل إلى نقد الحداثة الرقمية.