بحكم سفري المستمر، تتيح لي اللقاءات المتكررة عبر مختلف العواصم فرصة الجلوس مع العديد من العائلات التجارية؛ نستعرض التحديات المشتركة، ونتحدث في الحوكمة، والاقتصاد، وإدارة الأصول واستدامتها. اعتدت على لغة الأرقام وخطط النمو، لكن عبارة واحدة استوقفتني في إحدى رحلاتي وجعلتني أعيد التفكير طويلاً في المعنى الحقيقي للاستمرارية.
حدث ذلك وأنا جالس على طاولة حوار في هونغ كونغ. سألت مضيفي عن أفق رؤيتهم لمستقبل أعمالهم، فأجابني بهدوء غير متوقع: «خطة لألف عام».
لم يكن يصف أرقام الإيرادات، ولا خطط التوسع الإقليمي، ولا صفقة الاستحواذ القادمة؛ بل كان يصف النية العميقة الكامنة خلف الكيان العائلي برمّته: ألف عام.
خلف هذه العبارة تكمن قصة ملهمة بدأت من نقطة الصفر؛ فالمؤسس الأول انطلق قبل أكثر من قرن من بداية شديدة التواضع، لكن القوة الحقيقية لم تكن في البدايات فقط؛ بل في الوعي المبكر بأهمية وضع إطار مؤسسي يسبق الخلافات ويحمي الإرث عبر تعاقب الأجيال. وحين تسلّم الأحفاد والأجيال اللاحقة الأمانة، لم ينشغلوا بإدارة الأصول فحسب؛ بل بنوا على تلك الهياكل ميثاقاً صارماً ومجلساً للعائلة، واضعين نصب أعينهم أن الاستدامة ليست رقماً في ميزانية سنوية؛ بل التزام يمتد لعشرة قرون.
أعدت تكرار هذه العبارة في ذهني وأنا أسترجع النقاشات المتكررة في منطقتنا حول عمر الشركات العائلية، وتلك المقولة الشائعة التي لطالما تحفّظت عليها: أسطورة «عقدة الجيل الثالث»، والافتراض غير الدقيق بأن الجيل الثالث هو سبب ضياع الثروة.
الواقع والوقائع يثبتان عكس ذلك تماماً؛ فالمسؤولية الحقيقية للاستمرارية تقع على عاتق الجيلين الأول والثاني. إن مهمة المؤسسين والجيل الذي يليهم لا تنتهي عند مراكمة الثروة وتوسيع رقعة الأعمال؛ بل تبدأ من بناء «الهيكل المؤسسي المحكم» الذي يستوعب اتساع رقعة العائلة وتنوع اهتماماتها. إن انهيار أي كيان عائلي لا يحدث لأن الجيل الثالث يفتقر للكفاءة أو الطموح؛ بل لأن الجيلين الأول أو الثاني فشلا في توريث «نظام حوكمة واضح»، وتركا وراءهما فراغاً هيكلياً يُدار بالنوايا الطيبة والتفاهمات غير المكتوبة.
حين يغيب هذا الإطار الهيكلي، يقع الالتباس القاتل الذي رأيته يتكرر مراراً: الخلط بين الحق في وراثة الحصة، والحق في إدارة الشركة.
الإرث واقع قانوني وحق لا جدال فيه، أما القيادة فجدارة واستحقاق يُكتسب بالعمل والكفاءة. وعندما يفشل المؤسسون في وضع قواعد فصل واضحة بين الملكية والإدارة قبل اتساع شجرة العائلة، تظهر التصدعات تدريجياً؛ تبدأ بنقاش مرتبك في مجلس إدارة، ثم تنتقل حمولته إلى مائدة عشاء عائلية، حتى تنفصل العائلة عن التجارة. والحقيقة الراسخة دائماً: العائلة تتصدع أولاً.. ثم تتبعها التجارة، مهما تعاظم حجمها.
إن التطلع لألف عام ليس خيالاً؛ بل هو قرار هيكلي وأخلاقي شجاع يبدأ من التأسيس: أن يمتلك الجيلان الأول والثاني الجرأة والحكمة لبناء أطر تحمي «العلاقة والثقة» قبل حماية «الأصل المالي»؛ فالهيكل السليم يحمي الأجيال القادمة، أما إلقاء اللوم عليها فهو هروب من استحقاق البناء المؤسسي.
* رئيس مجلس أبوظبي للشركات العائلية
